مجالس المحافظات ضرورة دستورية وشريك أساسي في إدارة العراق

د. كريم نوري عبد الله الدليمي.

في ظل التحولات السياسية والإدارية التي شهدها العراق خلال العقود الماضية، برزت مسالة الإدارة المحلية بوصفها واحدة من القضايا الأساسية في بناء الدولة الحديثة، وتحقيق التوازن بين السلطة المركزية واحتياجات المحافظات ، اذ تكتسب مجالس المحافظات أهمية خاصة، ليس باعتبارها مؤسسات سياسية وإدارية فحسب، وانما بوصفها احدى الركائز الأساسية لنظام الحكم المحلي، ووسيلة لإشراك المواطنين في إدارة شؤون مناطقهم، وممارسة الرقابة على الأداء التنفيذي والخدمي للمواطنين:
ان الحديث عن مجالس المحافظات في العراق ينبغي الا يختزل في اطار الصراع السياسي او التنافس الانتخابي، بل يجب ان ينظر اليه من زاوية أوسع تتعلق بطبيعة الدولة العراقية، ومستقبل الإدارة المحلية، وقدرة المؤسسات على الاستجابة المباشرة لاحتياجات المواطنين، فالمحافظات ليست مجرد وحدة جغرافية تابعة للسلطة المركزية، وانما مساحة اجتماعية واقتصادية وتنموية لها خصوصيتها واحتياجاتها واولوياتها:
-الدستور والإدارة اللامركزية:
اقر الدستور العراقي مبدا اللامركزية الإدارية، ومنح المحافظات غير المنتظمة في إقليم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها وفقاً للقانون ، وهذا التوجه الدستورية يعكس ادراكاً لأهمية توزيع المسؤوليات وعدم حصر جميع القرارات في العاصمة، خصوصاً في بلد واسع ومتعدد الاحتياجات والمكونات والمحافظات، ان وجود مجالس المحافظات ، في هذا السياق لا يمثل ترفاً سياسياً او مؤسسة يمكن الاستغناء عنها بسهولة، بل يرتبط بفلسفة دستورية تقوم على تعزيز المشاركة المحلية، وتقريب القرار من المواطن، ومنح المجتمعات المحلية دوراً في تحديد أولوياتها ومراقبة تنفيذها، فاللامركزية لا تعني اضعاف الدولة او تفكيك مؤسساتها ، كما ان وجود مجالس المحافظات لا تعني منافسة الحكومة الاتحادية او تجاوز صلاحياتها، بل ان الهدف الأساسي ، هو توزيع الأدوار والمسؤوليات بصورة اكثر كفاءة، بحيث يبقى القرار السيادي والاستراتيجي بيد الدولة الاتحادية، بينما تمنح السلطات المحلية مساحة كافية لمعالجة القضايا التي ترتبط مباشرة بحياة المواطنين اليومية.
-المواطن هو المستفيد اولاً:
عندما تكون هناك مؤسسة محلية منتخبة وقريبة من المواطن، فأن المشكلات الخدمية والتنموية تصبح اكثر وضوحاً امام صانع القرار ، فعضوا مجلس المحافظة يعيش في بيئة المحافظة نفسها، ويستمع الى مطالب سكانها، ويتعامل مع ملفات الطرق والماء والكهرباء والصحة والتعليم والبلديات ، والاستثمارات التي تؤسس في المحافظة وغيرها من الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطن.
ومن هنا فأن مجالس المحافظات يمكن ان تمثل حلقة وصل حقيقية بين المواطن والمؤسسات التنفيذية، وقد تكون بعض المشكلات التي تبدو بسيطة على المستوى الوطني ذات أهمية كبيرة على المستوى المحلي: ومنها ( شارع يحتاج الى إعادة تأهيل – مدرسة تفتقر الى الخدمات – مستشفى يحتاج الى دعم طبي وخدمي بكافة مفاصله – مشروع خدمي متعثر – او منطقة تعاني من نقص في البنية التحتية)، كلها قضايا تحتاج الى مؤسسة محلية تمتلك القدرة على المتابعة والمساءلة والتنسيق بين الحكومة الاتحادية والحكومة المحلية، اذ ان قرب مجلس المحافظة من هذه التفاصيل يمنحه ميزة مهمة تتمثل في معرفة الألويات المحلية، بدلاً من اعتماد جميع القرارات على رؤية مركزية قد لا تعكس دائماً طبيعة الاحتياجات الفعلية لكل محافظة.
-مجالس المحافظات والرقابة على الأداء التنفيذي:
من اهم الأدوار التي يمكن ان تؤديها مجالس المحافظات الدور الرقابي ، فوجود مؤسسة منتخبة تراقب الأداء المحلي وتتابع تنفيذ المشاريع والبرامج يمثل جزءاً من منظومة التوازن بين السلطات ، ولا يمكن ان تكون اللامركزية ناجحة من دون رقابة حقيقية، فالسلطة التي تحصل على صلاحيات واسعة يجب ان تكون خاضعة للمساءلة، والموارد المالية التي تخصص للمحافظات يجب ان ترتبط باليات واضحة للمتابعة والتقييم.
وهنا تظهر أهمية مجلس المحافظة باعتباره جهة رقابية محلية تستطيع مساءلة الأجهزة التنفيذية، ومتابعة المشاريع ، وطرح الأسئلة بشأن نسب الإنجاز، والكلفة، والجداول الزمنية، ومدى توافق المشاريع مع احتياجات السكان، لكن الرقابة لا ينبغي ان تتحول الى تعطيل للعمل التنفيذ او الى صراع سياسي دائم بين المجلس والمحافظة، فالعلاقة الصحيحة يجب ان تقوم على التكامل والتوازن: المجلس يراقب ويشرع محلياً ضمن صلاحياته، والجهاز التنفيذي ينفذ ويقدم الخدمات، والمواطن يحكم في النهاية علة مستوى الأداء والانجاز.
-التنمية لا تدار من المركز وحده:
من الصعب تصور تنمية متوازنة في بلد مثل العراق من دون إدارة محلية على تحديد أولوياتها، فالمحافظات العراقية تختلف في مواردها، وتركيبتها السكانية، وواقعها الاقتصادي، واحتياجاتها، الخدمية، وتحدياتها التنموية، لذلك فان التخطيط التنموي الناجح الى الجمع بين الرؤية الوطنية الشاملة والرؤية المحلية المتخصصة، وان الحكومة الاتحادية تضع السياسات العامة والخطط الوطنية، بينما تستطيع المؤسسات المحلية ان تقدم صورة اكثر دقة عن الواقع على الأرض ، وتحدد المشاريع التي تحتاجها مناطقها فعلاً ومن هذا المنطلق فان مجالس المحافظات يمكن ان تكون جزءاً من منظومة التنمية وليس عائقاً امامها، شريطة ان تعمل وفق معايير واضحة، وان تستند الى البيانات ، وان تبتعد عن المحاصصة والمصالح الضيقة في تحديد المشاريع والاولويات:
-بين المركزية واللامركزية:
اثبتت التجارب الإدارية في كثير من دول العالم ان الافراط في المركزية يمكن ان يؤدي الى ربط اتخاذ القرار ، وتراكم الإجراءات ، وضعف القدرة على التعامل السريع مع المشكلات المحلية ، وفي المقابل فان اللامركزية غير المنضبطة قد تؤدي الى تضارب الصلاحيات او ضعف التنسيق بين الحكومات المحلية والحكومة الاتحادية ، ولهذا فان المطلوب في العراق ليس اختيار المركزية او اللامركزية بصورة مطلقة، وانما بناء نموذج متوازن يحدد بوضوح مسؤوليات كل مستوى الحكم، فالقضايا السيادية والوطنية الكبرى يجب ان تبقى ضمن اطار في إنجاح اللامركزية، بشرط ان تكون الصلاحيات واضحة، وان تكون الموارد متناسبة مع المسؤوليات ، وان تكون اليات الرقابة والمساءلة فعالة.
-المشكلة ليست في وجود المجالس بل في طريقة عملها:
ان انتقاد تجربة مجالس المحافظات ، امر مشروع ، بل هو ضروري اذا كان الهدف هو تطويرها، فقد شهدت التجربة العراقية، كما هو الحال مع العديد من المؤسسات ، جوانب سلبية تمثلت في بعض الأحيان في التنافس السياسي، او ضعف الأداء، او سوء استثمار الصلاحيات، او عدم وضوح العلاقة بين المؤسسات المحلية والمركزية، لكن معالجة هذه المشكلات لا تعني بالضرورة الغاء المؤسسة او اضعافها ، فالخلل في أداء مؤسسة ما لا يعني بالضرورة ان وجودها غير ضروري، وانما قد يعني ان هناك حاجة الى اصلاح القوانين، وتحديد الصلاحيات ، وتشديد الرقابة، ورفع مستوى الكفاءة، وتحسين اليات اختيار الأعضاء ومساءلتهم:
-الانتخابات المحلية وتعزيز المشاركة السياسية:
تمثل انتخابات مجالس المحافظات احدى صور المشاركة السياسية المحلية، فالمواطن لا يشارك في اختيار ممثليه على المستوى الاتحادي فقط، وانما يستطيع ايضاً اختيار من يعتقد انهم قادرون على تمثيله في إدارة شؤون محافظته، وهذا النوع من المشاركة يمكن ان يساهم في بناء ثقافة سياسية اكثر ارتباطاً بقضايا الناس اليومية، فالمواطن قد لا يقيس نجاح المسؤول المحلي بالمواقف السياسية الكبرى ، وانما بما يراه في الشارع والمدرسة والمستشفى والخدمات البلدية والمشاريع وفرص التنمية ، وهذا يجعل الحكم المحلي مجالاً مهماً لاختبار الكفاءة السياسية والإدارية بعيداً عن الشعارات العامة، كما ان الانتخابات المحلية تمنح المواطنين فرصة لمحاسبة ممثليهم من خلال صناديق الاقتراع، وهو ما يعزز مبدا المسؤولية السياسية ويربط الأداء بالمساءلة الشعبية.
-ضرورة اصلاح التجربة لا الغاء الفكرة:
اذا كانت هناك ملاحظات على أداء مجالس المحافظات ،فان الإصلاح يجب ان يبدا من مجموعة من الملفات الأساسية:
أولا- وضوح الصلاحيات: بحيث لا تبقى هناك مناطق رمادية تؤدي الى النزاع بين مجلس المحافظة والمحافظ والوزارات الاتحادية:
ثانياً- تعزيز الشفافية: في الموازنات والمشاريع والقرارات المحلية، بحيث يستطيع المواطن معرفة اين تصرف الأموال وما هي نسب الإنجاز:
ثالثاً- رفع الكفاءة : من خلال اعتماد معايير مهنية في العمل الإداري والرقابي، وعدم تحويل المجالس الى ساحات للمساومات السياسية:
رابعاً- تعزيز المساءلة: بحيث يكون عضو مجلس المحافظة مسؤولاً امام المواطنين والقانون، وتكون لديه صلاحيات واضحة تقابلها مسؤوليات اكثر وضوحاً:
خامساً-تطوير العلاقة مع الحكومة الاتحادية: لان نجاح الإدارة المحلية لا يمكن ان يتحقق من خلال العزلة عن المركز، بل عبر التنسيق والتكامل وتبادل المعلومات والصلاحيات:
-مجالس المحافظات شريك وليست خصماً:
من الخطأ النظر الى مجالس المحافظات باعتبارها خصماً للحكومة الاتحادية او منافساً لها، الدولة الحديثة لا تدار بهذه العقلية ، الحكومة الاتحادية تحتاج الى الحكومات المحلية والمؤسسات المحلية من اجل تنفيذ سياساتها على الأرض، والمحافظات تحتاج الى الحكومة الاتحادية من اجل التمويل والتخطيط الوطني والتنسيق والسياسات العامة،
وفي الختام:
ان مجالس المحافظات ليست مجرد مؤسسة انتخابية عابرة، بل هي جزء من منظومة الحكم المحلي التي اقرها الدستور العراقي، ويمكن ان تكون مهمة لتعزيز المشاركة الشعبية وتحسين الخدمات ودعم التنمية المحلية ومراقبة الأداء التنفيذي ، وقد تكون التجربة بحاجة الى مراجعة وتطوير، وقد تكون هناك أخطاء تستوجب المعالجة، لكن الطريق الى الإصلاح لا يمر بالضرورة عبر الغاء المؤسسة ، وانما عبر إعادة بناء دورها على أسس اكثر وضوحاً وكفاءة ونزاهة ، فالعراق الذي يسعى الى بناء دولة مؤسسات يحتاج الى مؤسسات محلية فاعلة، والعراق الذي يريد تعزيز الديمقراطية يحتاج الى مشاركة المواطنين في صناعة القرار ليس في بغداد وحدها، بل في محفظاتهم ومدنهم واقضيتهم ايضاً ، ومن هنا فان مجالس المحافظات يمكن ان تكون شريكاً اساسياً في إدارة العراق، لا عبئاً عليه، متى ما تحولت من ساحة للتنافس السياسي ، الى مؤسسة حقيقية للتخطيط والرقابة والخدمة، ومنحت الصلاحيات التي تتناسب مع مسؤولياتها ، واخضعت في الوقت ذاته لرقابة القانون والمواطن، ان التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود مجالس المحافظات، وانما في بناء مجالس قادرة على ممارسة دورها الدستوري بكفاءة ، وتحويل اللامركزية من نصوص قانونية الى واقع ملموس يشعر المواطن بنتائجه في حياته اليومية:

قد يعجبك ايضا