انس الشيخ مظهر
منذ قيام الدولة العراقية الحديثة، لم يكن الجيش، في أغلب محطات تاريخه، أداةً لحماية الحدود بقدر ما كان أداةً لحماية الكرسي. عقودٌ من الإنفاق الهائل على بناء الجيوش وشراء السلاح مرّت، وجاء الوقت أخيراً لطرح السؤال بعيداً عن الخطابة والشعارات: ماذا جنى العراق فعلاً من كل تلك القوة؟
المشكلة لم تكن يوماً في نقص السلاح، بل في طريقة استخدامه، وربما في الوهم الذي رافقه. فقد امتلك العراق واحداً من أضخم الجيوش في المنطقة، ومع ذلك لم يمنع ذلك حرباً واحدة، ولم يحمِ سيادته من الغزو، ولم يحفظ استقرار أنظمته المتعاقبة. وبعد عام 2003، لم يعد السلاح حكراً على الدولة، بل توزّع بين فاعلين كُثر داخل الحدود وخارجها، فبقي العراق رهينة معادلة القوة والنفوذ، بدل أن يتحرر منها .
من هنا يبرز سؤال جريء، وربما استفزازي بالنسبة لكثيرين: وهو :- ماذا لو تخلّى العراق عن فكرة الجيش الهجومي التقليدي، وأعلن حياده الاستراتيجي، مكتفياً بجيش لا يحمل سلاحاً هجومياً؟
الفكرة هنا ليست تجريد البلاد من الحماية، ولا الدعوة إلى دولة عزلاء بلا مناعة، بل الانتقال من منطق “الردع بالقوة” إلى منطق “الردع من خلال “المصالح” , بحيث يصبح أمن العراق مرتبطاً بشبكة من المصالح المتشابكة التي يخسرها الجميع إذا اهتزّ استقراره، بدلا من أن يظل مرهوناً بحجم ترسانته من السلاح. فحين يتخلى العراق عن منطق الهجوم، فإنه لا يتخلى عن سيادته، بل يعيد تعريفها عبر مسارات اخرى متكاملة .
أولاً: الردع الاقتصادي
بدلا من استنزاف الموارد في سباق تسلح لا نهاية له ولا طائل من ورائه، تتحول الميزانيات إلى البنية التحتية والطاقة والتنمية . فحينما يصبح العراق ممراً تجارياً يربط الخليج بتركيا وأوروبا، تتشكل معادلة جديدة مفادها ان ” كلفة ضرب العراق اقتصادياً وسياسياً تفوق أي مكسب عسكري يطمح إليه أي معتدٍ” . عندها تتحول الاستثمارات الأجنبية نفسها إلى خط الدفاع الأول، لأن لا أحد يريد أن يخسر مصالحه فيما لو اشتعلت الأرض التي استثمر فيها.
ثانياً: الطمأنينة الداخلية وبناء الثقة
في بلدٍ متعدد المكونات مثل العراق، ظل السلاح والمؤسسة العسكرية مصدر قلق دائم لا أمان، لأن كل مكوّن كان ينظر إلى قوة الآخر بعين الريبة لا الاطمئنان. حين تُنهى القدرات الهجومية، ويُمنع السلاح المنفلت ، ينتقل حسم الخلافات من الشارع والميليشيا إلى البرلمان والقضاء. فالطمأنينة الحقيقية لا تأتي من توازن الرعب، بل تأتي حين يدرك الجميع أن لا أحد يملك أداة لفرض إرادته بالقوة على الآخرين. عندها فقط يتحول نزع السلاح من إجراء أمني مؤقت إلى مشروع حقيقي لبناء الثقة الوطنية.
لكن الإصرار اليوم على حصر السلاح بيد الدولة، ونزعه من الفصائل والميليشيات وحدها، خطوة ناقصة إن توقفت عند هذا الحد. فالمكوّن الذي يوافق على تسليم سلاحه اليوم لن يطمئن طالما راى امامه جيشاً رسمياً يحتفظ بقدرات هجومية ضخمة يمكن أن تُوجَّه يوماً إلى الداخل بدل الخارج . لذلك فإن المنطق نفسه الذي يفرض نزع سلاح الفصائل يجب أن يمتد إلى الجيش ذاته وهو انه “لا يكفي أن يُحتكر السلاح بيد الدولة، بل يجب أن يتقلص هذا السلاح نفسه إلى حدوده الدفاعية البحتة”. فحين يتخلى الجيش الرسمي عن سلاحه الهجومي، تكتمل معادلة الثقة: –
لا فصيل يملك سلاحاً خارج الشرعية.
ولا جيش يملك سلاحاً يمكن أن يتحول يوماً إلى أداة هيمنة داخلية.
عندها فقط يصبح نزع السلاح مشروعاً وطنياً ويتخلى المجتمع عن العسكرة.
ثالثاً: الدفاع الذكي والغطاء الدولي
عراقٌ بلا سلاح هجومي لا يعني عراقاً أعزلا أو مكشوف الظهر. فالبديل يقوم على قدرات دفاعية عالية التقنية:-
حرس حدود ذكي مدعوم بالاستشعار والمراقبة.
أمن سيبراني متقدم.
دفاع جوي حديث.
استخبارات محترفة لمكافحة الإرهاب قبل وقوعه لا بعده.
ويُستكمل هذا كله بقرار دولي من مجلس الأمن يكرّس حياد العراق ويحميه قانونياً، ومعاهدات عدم اعتداء موقّعة مع دول الجوار كافة، وترتيبات استخبارية مع القوى الكبرى، من دون الحاجة إلى قواعد عسكرية أجنبية على أرضه قد تثير حساسيات إقليمية لا طائل منها.
والملفت أن العراق لا يحتاج إلى استيراد هذا النموذج من الخارج، فثمة تجربة قريبة منه جغرافياً وسياسياً يمكن الاستفادة من فلسفتها , فقوات البيشمركة في إقليم كوردستان، التي بُنيت أصلاً كقوة دفاعية معنية بحماية الأرض وتأمين الحدود وحفظ الاستقرار الداخلي، لا كأداة هجومية موجّهة نحو الخارج. يمكن للجيش العراقي أن يعيد تعريف هويته على منوال مشابه , قوة دفاعية بالدرجة الأولى، وظيفتها الأولى والأخيرة حماية سيادة البلاد وتأمين حدودها، لا امتلاك قدرة هجومية عابرة للحدود قد تُستخدم يوماً في غير محلّها. وهكذا يتحول الجيش من مصدر قلق محتمل إلى ضمانة استقرار متفق عليها بين كل مكونات العراق.
رابعاً: صندوق السلام ودبلوماسية الوساطة
الأموال التي كانت تُهدر على التسلح يمكن أن تؤسس بدلاً من ذلك “صندوقاً سيادياً” لتنويع الاقتصاد، وتحويل المناطق الحدودية المهملة تاريخياً إلى مناطق حرة مزدهرة تُشغّل الناس بدل أن تُغذّي التهريب والصراع. وبفضل حياده، ينتقل العراق من موقع الساحة التي تُصفّى فيها حسابات واشنطن وطهران وأنقرة، إلى موقع المركز الإقليمي الذي يستضيف التفاوض ويديره. والدولة التي تستضيف المفاوضات وتدير التوازنات بين الخصوم، تصبح حمايتها مصلحة مشتركة للجميع، لا هدفاً لأحد.
ولاكمال هذه الرؤية هناك خمس مسارات يجب ان تكتمل..
١. دبلوماسية المياه والطاقة
يقع العراق عند ملتقى أزمات مائية إقليمية خانقة، أبرزها نهرا دجلة والفرات. وبدلا من أن يبقى هذا الملف مصدر توتر دائم مع تركيا وإيران، يمكن تحويله إلى أداة ردع ناعم فعّالة تشمل مشاريع مائية وطاقوية مشتركة تجعل من استقرار العراق شرطاً لازماً لاستقرار المياه والكهرباء في المنطقة كلها، لا لطرف واحد فيها.
٢. “الحياد الرقمي” كخط دفاع موازٍ
كما يُطرح حياد عسكري، يمكن أن يُطرح إلى جانبه حياد رقمي يتضمن جعل العراق ممراً محايداً لكابلات الإنترنت وخطوط الطاقة الإقليمية الرابطة بين آسيا وأوروبا، بحيث تصبح البنية الرقمية والطاقوية نفسها ورقة ضغط سلمية تحمي الدولة من الاستهداف، لأن ضربها تضر بمصالح أطراف لا حصر لها في آنٍ واحد.
٣. جيل جديد من “الجيش المدني”
بدلا من ان نسرح الجنود بعد تقليص القدرات الهجومية ونتركهم عبئاً اجتماعياً واقتصادياً، يُعاد توجيه جزء كبير من القوة البشرية هذه نحو مهام الإغاثة، وإعادة الإعمار، ومكافحة الكوارث، والهندسة العسكرية لخدمة البنية التحتية. وبذلك يتحول الجيش من رمز قوة مسلطة على الداخل، إلى رمز خدمة للمجتمع، ما يعزز شرعيته الشعبية من دون حاجة إلى سلاح يشهره في وجه أحد.
٤. ميثاق إقليمي لـ”عدم استخدام العراق كساحة”
بدل معاهدات ثنائية منفصلة يسهل نقضها أو الالتفاف عليها، يمكن السعي إلى ميثاق جماعي توقّعه دول الجوار مجتمعة، يُلزم الجميع بعدم استخدام الأراضي أو الأجواء العراقية ساحةً لأي صراع بينها، وبضمانة دولية صريحة، بحيث يصبح خرقه كلفة سياسية باهظة على الدولة الخارقة نفسها، لا على العراق وحده كما جرت العادة.
٥. مؤشر “كلفة الاستقرار” كأداة تفاوضية
يمكن للعراق أن يطوّر ويُروّج لمؤشر اقتصادي يوضح للعالم، بالأرقام لا بالخطابة حجم الخسائر التي سيتكبدها الاقتصاد الإقليمي والدولي إذا زُعزع استقرار العراق، من تجارة وطاقة وممرات نقل. وهكذا يصبح هذا المؤشر أداة إقناع دائمة وملموسة أمام أي طرف يفكر يوماً بزعزعة هذا الاستقرار.
تُثبت التجربة التاريخية، بما لا يقبل الجدل، أن العسكرة المفرطة لم تمنح العراق الأمان يوماً واحداً، بل كلّفته حروباً وحصاراً وانهيارات متكررة. فالردع الحقيقي لا يُقاس بعدد الدبابات المصطفة في العروض، بل بقدرة الدولة على أن تجعل استقرارها مصلحة حيوية للعالم كله، لا عبئاً يتحمله وحده. فالهدف ليس أن يكون العراق أقوى من جيرانه عسكرياً، فتلك معركة لن يربحها أبداً، بل أن يكون أغلى من أن يُهاجَم، وأهم من أن يُترك وحيداً.