السلاح المنفلت.. حين تتحول الفوضى إلى سلطة موازية

نبيل عبد الأمير الربيعي

يوماً بعد آخر، لم يعد السلاح المنفلت في العراق مجرد ظاهرة أمنية عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات ظرفية، بل بات واحداً من أثقل الأعباء التي تواجه الدولة ومؤسساتها، خصوصاً حين ينتقل السلاح من كونه أداة بيد أفراد أو جماعات إلى وسيلة تستثمر في النزاعات والمصالح والابتزاز، وتتحول حيازته إلى مصدر قوة يتقدم على قوة القانون.

المشكلة لا تكمن في وجود السلاح وحده، وإنما في وجود سلاح خارج منظومة الدولة، يستطيع أن يتحرك في بعض المناطق بثقة تفوق ثقة المواطن بالقانون، وأن يفرض أمراً واقعاً لا يستند إلى شرعية دستورية أو قانونية.

وما شهدته منطقة الدورة في بغداد، وما رافقه من حديث عن اعتداءات وإصابات ونزاع على ملكية أرض، ينبغي ألا يختزل في عنوان ضيق من قبيل (خلاف بين مواطنين). فحين يدخل السلاح إلى مثل هذه النزاعات، تتغير طبيعة القضية برمتها. الخلاف المدني يمكن أن يجد طريقه إلى القضاء، والنزاع على الملكية يمكن أن تحسمه المحاكم، أما حين تتقدم القوة المسلحة لتفرض نتيجة النزاع، فإننا نكون أمام مشكلة تتجاوز أطراف الحادثة إلى سؤال أكبر يتعلق بقدرة الدولة على حماية القانون.

الأكثر إثارة للقلق أن بعض الشهادات المتداولة عن الحادث تحدثت عن رؤية أشخاص من جنسيات مختلفة يحملون السلاح بصورة علنية. ومثل هذه الإفادات، سواء ثبتت تفاصيلها كاملة أم احتاجت إلى تحقيق رسمي، ينبغي ألا تتحول إلى مادة للتعميم أو الاتهام الجماعي، وإنما إلى سؤال أمني وقانوني واضح: كيف يصل السلاح إلى مناطق يفترض أن تكون خاضعة لسلطة الدولة؟ ومن يوفر الحماية لمن يحمله؟ ومن يملك القدرة على فرض إرادته المسلحة في نزاع كان ينبغي أن يُحسم بالقانون؟

إنها أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالبيانات الإنشائية، بل تحتاج إلى تحقيق مهني شفاف، وإلى كشف الجهات والأفراد المتورطين، أياً كانت انتماءاتهم أو مواقعهم أو جنسياتهم.

من الخطأ التعامل مع كل حادثة مسلحة بمعزل عن السياق العام. فالعراق لا يواجه حادثة واحدة، وإنما يواجه تراكمات طويلة جعلت انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة مشكلة بنيوية في بعض المناطق. وهناك مناطق أخرى يُنظر إليها، منذ سنوات، باعتبارها فضاءات صعبة على سلطة القانون، حيث تتداخل الاعتبارات العشائرية والسياسية والمسلحة، ويصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر تعقيداً، فيما يشعر المواطن بأن القانون قد لا يكون قادراً دائماً على حمايته إذا وقف في مواجهة طرف يمتلك القوة والسلاح والنفوذ.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالدولة لا تفقد هيبتها عندما تعجز عن منع جريمة فحسب، وإنما تفقد جزءاً من هيبتها عندما يشعر المواطن أن القانون ليس المرجعية الوحيدة لحسم النزاعات. السلاح المنفلت لا يعيش دائماً خارج الاقتصاد؛ فحيث يوجد السلاح توجد مصالح، وحيث تتراجع سلطة القانون تنشأ سوق موازية للقوة والنفوذ والحماية. ولهذا فإن مكافحة الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على مصادرة الأسلحة أو توقيف بعض حامليها بعد وقوع الجريمة، وإنما ينبغي أن تمتد إلى الشبكات التي تتولى تمويل السلاح وتداوله وتوفير الحماية له واستثماره. فاليد التي تطلق النار ليست دائماً سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة أطول.

ومن دون تفكيك تلك السلسلة، ستبقى المعالجة أقرب إلى إطفاء الحرائق، فيما تظل مصادر الاشتعال قائمة. وهنا تقع مسؤولية الأجهزة الأمنية والقضائية معاً: الوصول إلى مصادر السلاح، كشف طرق تمويله، تحديد الجهات التي توفر الغطاء له، ومحاسبة المتورطين وفق القانون، بعيداً عن الانتقائية أو ازدواجية المعايير.

الدولة الحديثة تقوم على قاعدة بسيطة لا تحتاج إلى كثير من الفلسفة: لا أحد فوق القانون، ولا جهة تملك حق استخدام القوة خارج الإطار الذي يحدده القانون والدستور. وعندما تتعدد مصادر القوة المسلحة، تبدأ الدولة بفقدان أهم عناصر وجودها؛ احتكار الاستخدام المشروع للقوة. وهذا لا يعني تجاهل حق المواطنين في الدفاع عن أنفسهم ضمن ما يسمح به القانون، ولا يعني أن المجتمع العراقي يمكن أن يتخلى بين ليلة وضحاها عن كل ما تراكم خلال عقود من ظاهرة حمل السلاح. لكنه يعني أن الدولة مطالبة بوضع نهاية واضحة لفكرة أن السلاح يمكن أن يكون وسيلة لحسم النزاعات أو فرض الإرادة أو حماية المصالح الخاصة.

فالمواطن الذي يمتلك حقاً في أرض أو عقار أو مال يجب أن يذهب إلى القضاء، لا أن يبحث عن جهة مسلحة تحمي حقه أو تنتزعه له. والمواطن الذي يتعرض للاعتداء يجب أن يلجأ إلى الشرطة، لا إلى قوة موازية. والدولة التي تحترم نفسها هي التي تجعل المواطن يثق بأن أبواب مؤسساتها أكثر أمناً وفاعلية من أبواب السلاح.

ما جرى في الدورة ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة فتح ملف السلاح المنفلت برمته، لا أن ينتهي الاهتمام به بانتهاء الضجة الإعلامية حول الحادث. فالمطلوب ليس فقط معرفة من أطلق النار ومن أصيب، وإنما معرفة لماذا وصل السلاح إلى هناك أصلاً؟ ومن سمح له بأن يتحول إلى أداة لحسم نزاع؟ وهل توجد جهات توفر الغطاء أو الحماية؟ وهل هناك مناطق أخرى تعاني المشكلة نفسها؟ هذه الأسئلة هي جوهر القضية.

أما الاكتفاء بمعالجة النتائج، فهو يعني أن الدولة ستظل تطارد الحوادث واحدة بعد أخرى، من دون أن تصل إلى الجذر الحقيقي للمشكلة. كثيراً ما نتحدث عن (هيبة الدولة) باعتبارها مفهوماً سياسياً كبيراً، لكن الهيبة تبدأ في الحقيقة من تفاصيل الحياة اليومية.

تبدأ عندما يعرف المواطن أن شرطي المرور قادر على تطبيق القانون، وأن رجل الشرطة محمي بالقانون، وأن القاضي يستطيع إصدار حكمه من دون تهديد، وأن الموظف يستطيع أداء واجبه من دون أن يخشى سلاحاً أو نفوذاً، وأن المواطن يستطيع أن يختلف مع جاره أو خصمه من دون أن يتحول الخلاف إلى مواجهة مسلحة.

ومن أخطر ما يمكن أن يحدث أن يتحول السلاح من وسيلة غير قانونية إلى لغة تفاوض. عندها يصبح من يملك القوة أكثر قدرة على فرض شروطه ممن يملك الحق، وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها ميزان العدالة بالاختلال.

العراق لا يحتاج إلى حملة أمنية موسمية ضد السلاح المنفلت، بل إلى سياسة وطنية واضحة وطويلة النفس، تبدأ بتطبيق القانون على الجميع، ولا تستثني جهة أو جماعة أو منطقة. كما تحتاج الدولة إلى ضبط الحدود ومنافذ تهريب السلاح، وتعزيز قدرة الأجهزة المختصة على ملاحقة شبكات الاتجار به، وتشديد الرقابة على المخازن غير القانونية، ومحاسبة كل من يوفر الغطاء أو الحماية لحاملي السلاح غير المرخص.

والأهم من ذلك كله أن تكون هناك إرادة سياسية حقيقية تجعل سلطة الدولة فوق أي اعتبار آخر. فلا يمكن بناء دولة مؤسسات في ظل مناطق تخضع لمنطق القوة، ولا يمكن الحديث عن سيادة القانون إذا كان بعض المتخاصمين يستطيعون الاستعاضة عن المحكمة بمسلحين.

إن السلاح المنفلت ليس مشكلة أمنية فحسب؛ إنه مشكلة سياسية واقتصادية واجتماعية وقضائية، لأنه يضرب الثقة بين المواطن والدولة، ويخلق بيئة مناسبة للجريمة والابتزاز، ويمنح الأقوى قدرة على فرض إرادته. ولهذا فإن ما حدث في الدورة ينبغي ألا يغلق ملفه بمجرد توقيف متهمين أو انتهاء التحقيق في الحادثة. المطلوب أن يكون جرس إنذار يدفع الدولة إلى النظر في الخريطة الأوسع للسلاح غير المنضبط، وفي المناطق التي أصبحت فيها القوة المسلحة جزءاً من الحياة اليومية.

العراق لا تنقصه القوانين، وإنما يحتاج إلى تطبيقها على الجميع. ولا تنقصه الأجهزة الأمنية، وإنما يحتاج إلى أن تكون مهمتها محكومة بمرجعية واحدة واضحة. ولا يحتاج المواطن إلى المزيد من السلاح، بل إلى المزيد من الدولة. فحين تصبح القوة بديلاً عن القانون، يصبح الحق ضعيفاً مهما كانت مشروعيته. وحين يصبح السلاح وسيلة لحسم النزاعات، فإن الخاسر الأول ليس طرفاً بعينه، وإنما الدولة نفسها.

ومن هنا فإن معركة العراق الحقيقية ليست بين سلاح وسلاح، وإنما بين منطق الدولة ومنطق الفوضى؛ وبين سلطة القانون وسلطة القوة. وفي هذه المعركة لا ينبغي أن يكون هناك أي طرف ثالث.

قد يعجبك ايضا