الشرق الأوسط يعيد رسم خرائطه… فأين يقف الكورد؟

شيركو حبيب

الشرق الأوسط يتغير بسرعة، ومن يتابع ما يجري اليوم في سوريا وتركيا والعراق وإيران، يدرك أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن السنوات الماضية. لكن وسط هذه التحولات، هناك سؤال يجب أن يطرحه الكورد على أنفسهم قبل أن يطرحه الآخرون عليهم:
هل نحن ككورد مستعدون للمرحلة الجديدة؟
لم يعد هذا السؤال اليوم متعلقاً بالسلاح وحده، ولا بالحدود وحدها، ولا بالصراع مع هذه الدولة أو تلك. القضية أصبحت أكبر من ذلك بكثير، فنحن الكورد أمام مرحلة تنتقل فيها المنطقة تدريجياً من منطق الحروب المفتوحة إلى منطق إعادة ترتيب الدول والعلاقات والتحالفات. وفي هذه المرحلة، قد تكون السياسة أقوى من السلاح، والدبلوماسية أكثر تأثيراً من المواجهة، والاقتصاد والمؤسسات أكثر قدرة على حماية المكاسب من الشعارات.
ما حدث في سوريا خلال الأيام الأخيرة يمثل تحولاً كبيراً، مع الإعلان عن حل قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة واندماجها ضمن مؤسسات الدولة السورية، وهو ما يضع نهاية لمرحلة استمرت سنوات، كانت فيها القوة العسكرية الكوردية لاعباً أساسياً في شمال وشرق سوريا، لكن انتهاء هذه المرحلة العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء القضية الكوردية في سوريا.
ماذا سيحصل عليه الكورد سياسياً ودستورياً؟
فالقوة العسكرية يمكن أن تحمي منطقة لفترة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن الحقوق لعقود. الضمان الحقيقي يجب أن يكون في الدستور والقانون والمؤسسات والتعليم واللغة والمشاركة السياسية والاعتراف بالهوية الكوردية، وهذا درس مهم لنا نحن الكورد، ليس في سوريا فقط، وإنما لكل الكورد.
تركيا… فرصة تاريخية ولكنها مشروطة
تركيا أيضاً تدخل مرحلة مختلفة، فالبرلمان التركي أقر إطاراً قانونياً لدعم مسار إنهاء الصراع المسلح مع حزب العمال الكوردستاني، وهو تحول مهم بعد عقود من المواجهة.
لكن السؤال الحقيقي يبقى:
هل ينتهي الصراع بانتهاء السلاح، أم يبدأ السلام الحقيقي بعد انتهاء السلاح؟
السلام الحقيقي يحتاج إلى معالجة الأسباب السياسية التي أنتجت الصراع، وليس فقط نتائجه الأمنية، إذا نجح المسار التركي–الكوردي، فقد يكون ذلك تحولاً مهماً في تاريخ المنطقة، لأنه يعني أن القضية الكوردية يمكن أن تنتقل من مربع الصراع العسكري إلى مربع السياسة والديمقراطية. وهذه مصلحة للكورد، كما أنها مصلحة لتركيا والمنطقة كلها.
العراق… النموذج الذي يجب حمايته
أما إقليم كوردستان، فهو أمام مسؤولية مختلفة، فنحن كورد العراق نمتلك تجربة سياسية ودستورية ومؤسسات إقليمية منذ عقود، وهي تجربة لا يجوز التعامل معها كأمر عابر. لكن هذه التجربة تحتاج إلى حماية وتطوير، وأهم حماية لها هي الدستور والشراكة الحقيقية مع بغداد.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى المزيد من الخلافات بين أربيل وبغداد، وإنما إلى تطبيق الدستور، وحل الملفات العالقة بالحوار، وتنظيم العلاقة الاقتصادية والأمنية والسياسية بصورة واضحة، وفي الوقت نفسه، فإن توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية الكوردية يبقى من أهم عناصر قوة الإقليم، خصوصاً أن استمرار الانقسام الحزبي داخل المؤسسات الأمنية يضعف القدرة على مواجهة التحديات.
إيران… الخطر الذي لا يمكن تجاهله
أما إيران، فإنها تمثل أحد أكثر الملفات حساسية. فأي صراع واسع داخل إيران أو حولها ستكون له تداعيات مباشرة على المناطق الكوردية وعلى أمن إقليم كوردستان أيضاً، ولهذا، فإن المطلوب من القيادة الكوردية ليس الدخول في مغامرات، وإنما حماية الإقليم من أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية، فالكورد لا يستطيعون التحكم في كل ما يحدث حولهم، لكنهم يستطيعون التحكم في قرارهم السياسي، وهذا الفرق مهم جداً.
المشكلة ليست في تعدد الأحزاب
قد يقول البعض إن الحديث عن «سياسة كوردية واحدة» يعني إلغاء التعددية الحزبية.
أنا لا أعتقد ذلك، التعددية السياسية ضرورية، والاختلاف بين الأحزاب أمر طبيعي. لكن هناك فرقاً بين تعدد الأحزاب وتعدد المصالح الوطنية.
يمكن للحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني وغيرهما أن يختلفوا حول الانتخابات والحكومة والاقتصاد والإدارة، لكن عندما يتعلق الأمر بمستقبل كوردستان وأمنها وعلاقتها ببغداد وحقوق الكورد، فإن المطلوب هو الحد الأدنى من الموقف المشترك، فالاختلاف السياسي لا يجب أن يتحول إلى انقسام استراتيجي.
ماذا نحتاج نحن الكورد الآن؟
أعتقد أن المرحلة الجديدة تحتاج إلى خمس أولويات واضحة:
أولاً: توحيد الرؤية السياسية في القضايا المصيرية.
ثانياً: حماية تجربة إقليم كوردستان وتطوير مؤسساته.
ثالثاً: دعم الحلول السياسية للقضايا الكوردية في سوريا وتركيا، بعيداً عن منطق الحرب.
رابعاً: بناء علاقات متوازنة مع دول المنطقة والقوى الدولية، من دون الدخول في محاور تستنزف القرار الكوردي.
خامساً: جعل الاقتصاد والدبلوماسية والمؤسسات أدوات أساسية في حماية المصالح الكوردية.
هذه ليست شعارات، وإنما شروط أساسية للبقاء في مرحلة جديدة من تاريخ الشرق الأوسط.
الكورد ليسوا أمام نهاية مرحلة فقط
ربما يكون الخطأ الأكبر أن ننظر إلى ما يحدث باعتباره نهاية مرحلة، بل أتصور أنه بداية مرحلة جديدة.
سوريا الجديدة تبحث عن شكلها، وتركيا تعيد تعريف علاقتها بالملف الكوردي، والعراق يحاول تثبيت توازنه، وإيران تواجه تحديات كبيرة، والقوى الدولية تعيد حساباتها، وفي وسط هذه التحولات، لم تعد القضية الكوردية قضية هامشية، و لكن الاعتراف بأهمية القضية لا يعني أن الآخرين سيحققون للكورد أهدافهم. الكورد هم الذين يجب أن يعرفوا ماذا يريدون، ومن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية.
الخلاصة
الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة، والكورد يقفون أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخهم الحديث، قد تكون هناك مخاطر، ولكن هناك أيضاً فرص.
والفرصة لا تعني أن ننتظر انهيار نظام أو انتصار دولة أو تغيير تحالف. الفرصة الحقيقية هي أن يمتلك الكورد مشروعاً سياسياً واضحاً، ومؤسسات قوية، واقتصاداً متماسكاً، وعلاقات دولية متوازنة، وموقفاً وطنياً في القضايا المصيرية، فالكورد لا يحتاجون اليوم إلى المزيد من الحروب بقدر حاجتهم إلى إدارة سياسية ذكية لما تحقق خلال العقود الماضية.
لقد أثبت التاريخ أن السلاح يستطيع أن يفرض واقعاً، لكن السياسة هي التي تستطيع أن تحوله إلى حق دائم، والشرق الأوسط الجديد لن ينتظر أحداً، إما أن يكون الكورد جزءاً من صناعة هذه المرحلة، أو أن يجدوا أنفسهم مرة أخرى أمام خريطة رسمها الآخرون.

قد يعجبك ايضا