هل تشرب الشاي ياقاسيون على هامش تشكيل اليسارالمقنّع في سوريا الجديدة

د. خالد زغريت

من قاسيون يكتب شاربو الشاي تاريخك يا وطني. كان ما لم يكن من عادة قاسيون أن يطلّ عليك يا وطني حفدة الكتلة الوطنية وبناة الاستقلال التاريخيين، خمسون عاماً و عيون قاسيون تشرب ماءها طيورُ الظلام، وأبابيل القومية التي ترمي الوطن بسجيل قدسية مزيفة. لم يكتف البعثيون بفرض شعار لا صوت يعلو صوت المعركة. و بنادقهم القومية والعلمانية مكتومة الصوت لا لمباغتة مغتصبي الجولان. بل ليحرسوا طريق القدس من حماسة رعاع طلائع البعث الموهومين بشعاراتهم أن يروا الحقيقة باتجاه حاسم نحو القدس. كتموا صوت المعركة برمتها.، وغيروا اتجاه الجبهة نحو الشعب. خمسون عاماً و تسعة أعشار ميزانية سوريا مخصصة لجيش عقائدي عقيدته حراسة ظل القائد. و بعشر سنوات أفرغوا كل مستودعاته على الشعب الذي خرج يمزق أقنعة تجار القومية والصمود و المقاومة. بقي قاسيون معصوب العينين، لكي لا يرى الصواريخ الإستراتيجية تدك جوامع حمص و دور أطفالها ونسائها ، وتزرع مساحة الوطن بالأغام العنقودية، وتمطر خيام المشردين على حدود تركيا بالبراميل المتفجرة.
لم يعد أحد ممن تربي في حظيرة البعث مكرهاً أو بطلاً يشك أن عناقيد القنابل لا عنبها للقدس ولا حصرمها للواء إسكندرون، و المظلومية لا تمهد لنيران النصر الصديقة. للمظلومية أبابيلها التي تحمل حرمة المظلومين. ولا تختار جناح الطائر الذي يحملها. وقد يكون جناح ظالم على ظالم . تلك هي سنة دحر الظلم. الفعل من جنسه أحياناً ، والحجاج ضرورة أحايين.
جاء النصر وفرح به السوريون على جناح كان. وقاسيون مملوء العينين بالدمع، فلم ينظر بعينيه منظراً ، كان شرب شاي المنتصرين من قمة قاسيون، فتح تاريخ جديد. وكشف أقنعة نصاعة وجوه قادة المعركة. و إشراق جمهوريتهم التي ينشدون. وكما هو حال الثورات المنتصر ، يكثر رماة أحد، و البحث عن حصتهم من الغنائم. مما يفسح الفرصة للأعداء أن يلتفوا .
كانت ثورة سوريا عفوية، ثورة مظلوميات شعب أسير لسلطة مخالبها أطول من ظلها. ، شعب مسلوب الحلم بالعدالة الاجتماعية. والعيش في ظل مؤسسات إدارية تمارس في حدها الأدنى من تقاليد الأنظمة، إنما أفسدت الملح فكيف بالجرح. ولم يكن في تفكير الأسد السارق و الوارث التخلص من ذهنية العصابة في ملكية الدولة. فما ترك للشعب أي فرصة للنظر إلى نفسه أنه بشر سوي.
وطالت المعركة، وطال التنكيل الذي بدد من نفوس السوريين كل أمل بالخلاص . وحين رفعت رايات النصر، لم ينس السوريون الثمن الباهظ الذي دفعوه مضاعف التضعيف، وفي ظل هذه الراية تذكروا أحلامهم، بدولة تحرّم على قيادتها الدكتاتورية الثورية. و تذكروا أن لا نموذجاً بهيجاً في ذاكرتهم إلا نموذج مابعد لاستقلال و ما قبل البعث. ، فتخيلوا تدفق الأحزاب بالتنافس والتصارع، و تحركت في نفوسهم شهوة إعادة نموذج تعدد القوى الحزبية وتنوع اتجاهاتها. وأن يسير في ظلالهم من لا يفقه الانتصار إلا بشرح رماة أحد. لكن شاربو شاي النصر على سفح قاسيون لم يتركوا لهم كأساً فارغة. وكان لا بد للمنهزمين و رعاتهم الإقليميين، أن يقيموا الحداد التاريخي ، قوارش الفرس لا يتجرع كأس الهزيمة و في الأرض جمرة نار تشتعل. و القيصر الجديد لم يكن يتخيل أن يثلم سيف له بيد حليف، و لم يقدر الحليفان مع مَن يشاطرهم الحلم بإخفاق الثورات إلا أن يرددوا اليوم خمرٌ وغداً جمرٌ ، ومابعد غد من أمر ، وإلا ستبيض البومة في لحية القيصر و موقد كسرى .
وسال لعاب المنهزمين للبحث عن حصان طروادة للكر على المنتصرين. على أن يكون الحصان إيرانياً و السرج روسيا، وسائسه مدعوماً من أصدقاء حظيرة فلول النظام. وثمة ما يغري الثنائي المهزوم بأطياف قابلة للاصطفاف من أقليات،و مهزومي المصالح ، والمفلسين من سلة النصر.
و بدأ الكرنفال بتحرك شهية اليسار التقليدي بقيادة ممثليه التقليديين ، والعسكر المنشق ، والأقليات المترددة ،أو المقاتلة كالأكراد، و من يبحث عن أي معارض للدولة الجديدة.
و على الرغم من سهولة بناء قدرات هذا التيار المنوط به الانقضاض على الدولة الجديدة. إلا أن تياراً منضوياً تحت لواء الثورة في صورتها الأولى. وقد خسر حصته في الدولة الجديدة سيكون اليسار الجديد المقنع ، وهو تيار الإخوان المسلمين. فهو يدرك في العمق ، قوة التيار الجماهيري المؤيد للحركات الإسلامية، ولاسيما بعد أن جعله القوميون والعلمانيون يكفر بكل حزب يتزيا بعباءة القومية و كرافة العلمانية
و للحقيقة أن تيار الإخوان بعد أن أخفق في ثورات مصر وتونس، استعاد أنفاسه بتبني الحليف التركي أبوة نصر الثورة السورية. و ثمة ما يقرب حلم هذا التيار بامتطاء موجة نصر الإسلام السياسي بصورة هيئة التحرير، وهي تقف على أقدام من صناعة الإسلام السياسي التركي . و ثمة قوى تاريخية وتنظيرية للإخوان أكثر عراقة في التجارب السياسية، و مناورات الحراك الشعبي الذي يتردد في متابعة السير في ظل قافلة الحكومة الجديدة في سوريا و اتساع الريبة الإقليمية من أصولها ومآلاتها. و تلك فرصة تدغدغ أحلام الإخوان،، و تدفعهم إلى التقنّع بمسميات جديدة. إذ تأصيل مبادئهم الإسلامية السياسة تحمل من المرونة ما يجعلهم يطوعون شكلاً من أشكال اليسار السياسي الإسلامي مقارنة مع التيارات التي صبغت بسمات اليمين.، و الأيام دول، و الجمهورية الوليدة على سباق مع الزمن في تمكين نفسها في نسيج الشعب السوري قبل أن ينقض غزلها الأصدقاء أو الأعداء.، فهم حلفاء شهوة السلطة ضد المنتصر الذي أخرجهم كما يقال من المولد بلاحُمُّص ، والشاي على قاسيون يطيب بعد الحُمّص ، وسوريا وليدة وشمعة عيونها ترتجف وسط ريح عاصفة بكل اتجاه .

قد يعجبك ايضا