حين يصبح التملّق سلّماً إلى السلطة

د. محمد صديق خوشناو

مع مرور السنوات، نتعلم من الحياة ما لا تستطيع الكتب وحدها أن تعلمنا إياه. فالتجربة تكشف معادن الناس، وتمنحنا القدرة على التمييز بين من يصنع مكانته بالكفاءة والعمل، ومن يصنعها بالقرب والتملق وحسن إدارة المصالح.

وقد علمتنا سنوات العمل والحياة أن المشكلة لا تكمن في وجود الفساد وحده، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها المحسوبية إلى ثقافة، والتملق إلى وسيلة للترقي، والصمت عن الخطأ إلى ثمنٍ للحصول على موقع أو امتياز.

حين تتراجع الكفاءة أمام الولاء، يصبح الوصول إلى المسؤولية متاحاً لمن يجيد إرضاء الأشخاص أكثر ممن يجيد إنجاز العمل. وفي هذه البيئة، لا يُهمَّش الكفوء لأنه عاجز، وإنما لأنه يرفض أن يجعل من مبادئه سلعة، أو من مواقفه وسيلة للوصول.

والأخطر من الفاسد هو النظام الذي يسمح للفساد بأن يستمر؛ منظومة تكافئ المصفق، وتحمي المبرر، وتدفع صاحب الضمير والكفاءة إلى الهامش. وعندما يحدث ذلك، لا تخسر الدولة موظفاً أو مسؤولاً كفوءاً فحسب، بل تخسر ثقة المجتمع، وتقتل الحافز على الإبداع، وتزرع في النفوس قناعة بأن الطريق إلى النجاح لا يمر عبر العلم والعمل، بل عبر العلاقات والولاءات.

الدولة القوية لا تُبنى بكثرة المادحين، ولا تستقيم بكثرة المبررين، وإنما تنهض حين تكون الكفاءة معياراً، والنزاهة قيمة، والقانون مرجعاً، والمساءلة قاعدة لا استثناء.

قد يمنح التملق صاحبه منصباً، وقد يمنح الفساد صاحبه ثروة، وقد يوفر النفوذ حماية مؤقتة، لكن أياً منها لا يصنع احتراماً حقيقياً ولا يبني وطناً.

وفي النهاية، المناصب عابرة، والامتيازات زائلة، والمصالح متغيرة؛ أما المواقف النزيهة والأثر الطيب فيبقيان شاهداً على الإنسان.

لذلك، فإن إصلاح الدولة يبدأ من إعادة الاعتبار إلى الكفاءة، وإنصاف النزيه، ومحاسبة الفاسد، وكسر القاعدة التي تجعل القرب من أصحاب القرار أقصر طريق إلى النجاح.

فالأوطان لا تنهض حين يكون التملق طريقاً إلى الأعلى، بل حين يصبح الإنجاز هو الطريق، والكفاءة هي المعيار، والنزاهة هي رأس المال الحقيقي.

قد يعجبك ايضا