الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة، بجامعة هایدلبرغ، المانیا
تعيد التحولات السياسية والعسكرية الأخيرة في غرب كوردستان وسوريا صياغة التوازنات الأمنية في المنطقة برمتها، ما يفرض حاجة ماسة لتقديم تقييم تحليلي ورصين لتوازنات القوى الجديدة عبر استدعاء مقاربات العلاقات الدولية والعلوم السياسية.
وعند تفكيك مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن التشكيلات العسكرية والأمنية التابعة للحكومة السورية استناداً إلى أدبيات الواقعية الهيكلية لـكينيث وولتز، يتضح أن سلوك الفاعلين في البيئة الدولية والإقليمية التي تتسم بالأناركية (غياب السلطة المركزية الدولية) تمليه الضغوط الهيكلية وتوازنات القوى، وليس الرغبات الأيديولوجية، فالدمج يمثل مساومة للتنازل عن جزء من السيادة الميدانية لقاء ضمان البقاء الهيكلي.
تكتيكياً وفي المدى القريب، يمنح هذا الاندماج “قسد” القدرة على حفظ توازنها الأمني، ويسبغ عليها غطاءً قانونياً ودولياً يضمن استمرار وجودها المسلح، إلى جانب تسهيل إدارة الثروات والموارد الاقتصادية بالتنسيق مع دمشق.
إلا أن التحليل الاستراتيجي طويل المدى يُظهر أضراراً عميقة لهذا المسار، إذ يفسر مفهوم التكيف والانصياع حركة “قسد”، تحت تأثير انحسار مظلة الشركاء الدوليين، للانتقال من استراتيجية الموازنة إلى التكيف الانصياعي تحت مظلة السلطة المركزية. هذا التحول يحمل في طياته خطر التآكل التدريجي للإدارة الذاتية، وفقدان استقلالية القرار الأمني، وصولاً إلى ذوبان المكتسبات الإدارية والثقافية التي تكرست خلال سنوات الحرب، واقتياد المنطقة مجدداً نحو مركزية صارمة تسلب معها الإرادة الإقليمية المستقلة.
في الوقت ذاته، يفرز هذا المسار منظاراً تحليلياً يجسده المأزق الأمني، إذ إن المساعي الرمزية لدرء التهديدات العسكرية الخارجية تقترن تلقائياً بالتخلي عن القدرات الذاتية للدفاع أمام سلطة دمشق.
واستناداً إلى نظرية المساومة السياسية ورغم أن الكورد أثبتوا محورية دورهم كشريك أساسي في مكافحة الإرهاب، إلا أن إغفال تثبيت حقوقهم القومية في صلب دستور جديد قد يهوي بموقعهم التفاوضي من طرف أصيل إلى فاعل هامشي لا أثر له في شكل النظام الفيدرالي أو اللامركزي المفترض.
ولضمان نجاح هذا المسار، يتطلب التحليل استدعاء مقاربة الهندسة الدستورية، بالاستفادة من الأثَر الناجح لتجربة إقليم كوردستان، حيث أسهم تثبيت قوات البيشمركة دستورياً ضمن منظومة الدفاع الوطني العراقي في حماية التجربة من الذوبان العسكري، وشكل درعاً للإدارة الذاتية. تجسد كل من سويسرا والنمسا نموذجاً ناجحاً للفيدرالية التشاركية، نموذج يوزع المهام بوضوح عبر منح المركز حصرية الدفاع والخارجية، وتخويل الأقاليم صلاحيات الأمن والإدارة الداخلية.
وعلى الصعيد الإقليمي، يرتبط نجاح هذا الترتيب الدستوري ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي لإقليم كوردستان.
فاستقرار غرب كوردستان يحد من مخاطر الفراغ الأمني وعودة نشاط التنظيمات المتطرفة على الحدود، وينعش حركة التجارة والنمو الجيو-اقتصادي وفق مقاربة الاعتماد المتبادل المكتسب.
فضلاً عن أن تشكيل كيان كوردي فاعل ومعترف به دستورياً في سوريا يعزز الوزن الجيوسياسي للكورد عموماً ولإقليم كوردستان، خصوصاً في بغداد والمحافل الدولية.
وعلى العكس من ذلك، فإن إعادة توزيع القدرات ميدانياً دون ضمانات دستورية سيفاقم الاضطرابات الحدودية ويولد موجات نزوح جديدة يقع عبئها المباشر على الإقليم.
ختاماً، وبناءً على الرؤية الواقعية، ترتكز مصلحة الكورد على انتزاع مكاسب قانونية وعسكرية معترف بها عبر حوار سياسي متكافئ يضمن الفيدرالية أو اللامركزية الموسعة، وليس عبر الاستسلام غير المشروط والتلاشي في المركزية السياسية، فبقاؤهم مرهون بالتوازن العقلاني بين الاعتماد على الذات والشرعية الدستورية، لأن الاستقلال الذي يصنع تحت وطأة الإكراه ليس إلا ممراً مؤقتاً نحو قمع جديد.