الكاتب/ يحيى المشيدي
في الازمنة التي يستبد فيها الطغاة بالحكم لا يكون الجوع مجرد نتيجة للفقر أو ضعف الموارد بل يتحول في كثير من الاحيان الى وجه اخر من وجوه القمع فحين تتركز الثروة في ايدي قلة وتهدر حقوق الناس يصبح الرغيف حلما يومنا وتتحول موائد الفقراء إلى شاهد صامت لقسوة السلطة!
الفقراء في زمن الطغيان لا يعانون الجوع وحده بل يعيشون خوفا دائما من المستقبل. انهم يبحثون عن لقمة العيش في طرق ارهقتها الحاجة بينما تتسع المسافة بين قصور المترفين وبيوت الذين لا يملكون سوى الانتظار.. يموت الفقير المرة الاولى حين يعجز عن تامين قوت اطفاله. وحين يرى حاجاتهم تكبر أمام عينيه ولا يملك القدرة على تلبيتها. اما موته الثاني فيكون حين يشعر بان صوته لاقيمة له. وان كرامته اصبحت ثمنا للبقاء وان الاعتراض على الجوع قد يتحول الى تهمة.
الطغيان لا يحتاج دائما الى السلاح كي يخضع الشعوب فقد يكون الجوع اكثر الاسلحة صمتا وقسوة فالجائع المنشغل بالبحث عن الطعام قد لا يملك الوقت أو القدرة على المطالبة بحقوقه والمحتاج الذي يخشى فقدان عمله يصبح اكثر عرضة للصمت حتى عندما يكون الصمت مؤلما…وان اخطر ما يصنعه الجوع في زمن الطغاة ليس فراغ المعدة فقط بل انكسار الانسان من الداخل وحين يشعر المواطن كرامته مرهونه بلقمة يصبح المجتمع كله اكثر هشاشة وتتحول الحاجة إلى قيد جديد يضاف إلى قيود الخوف.
لا يمكن بناء وطن عادل فوق بطون جائعة وقلوب مكسورة. في زمن الطغاة قد يموت الفقراء مرتين مرة حين يأكل الجوع اجسادهم ومرة حين يحاول القهر ان يأكل اصواتهم لكن التاريخ يثبت دائما ان الشعوب قد تصبر طويلا الا انها لا تنسى الجوع ولا تنسى من جعل الرغيف حلما بعيد المنال!