صادق جواد المطر- القطيف
هناك كتب نقرؤها فنطوي صفحاتها، وهناك كتب إذا انتهينا منها بدأ أثرها الحقيقي في حياتنا. وكتاب «فن قراءة الكتاب ونقده… جولة تحريرية في عالم القرطاس والقلم» للباحث العراقي المقيم في لندن الدكتور نضير الخزرجي من ذلك الصنف الذي لا تنتهي رحلته عند الصفحة الأخيرة، بل يبدأ أثره منها؛ لأنه لا يقدم معلومات فحسب، وإنما يعيد تشكيل علاقة القارئ بالكتاب، وبالقراءة، وبالكتابة.
ولعل ما منح هذا الكتاب مكانته الخاصة في نفسي أنني لم أتعرف إليه بوصفه كتابًا فحسب، بل تشرفت قبل ذلك بصحبة مؤلفه. فقد شاء الله أن أقضي شهر يونيو حزيران ٢٠٢٦م كاملًا في لندن مع الدكتور نضير الخزرجي، وكانت تلك من النعم التي أحمد الله عليها؛ إذ رأيت الإنسان قبل الكاتب، والباحث قبل المؤلف، وعشت قريبًا من عالمه اليومي في المركز الحسيني للدراسات، ورأيت كيف تكون العلاقة الصادقة مع العلم والكتاب.

ومن أول النصائح التي أسداها إليّ في بداية صحبتي له أن أبدأ بقراءة هذا الكتاب، ولم أكن يومها أدرك سر اختياره له دون غيره، لكنني التزمت بنصيحته، وقلت في نفسي: لا بد أن وراء هذا الاختيار معنى سأفهمه مع الأيام. ولم تمضِ مدة حتى أدركت أنه أراد أن يضع بين يدي المفتاح الذي أدخل منه إلى عالم القراءة الواعية، وأن يؤسس الطريقة التي ينبغي أن أتعامل بها مع الكتب قبل أن أشرع في أي مشروع آخر.
وكنت أراه يعيش مع الكتب، لا يمر عليها مرورًا عابرًا؛ يعود إلى المراجع، ويقلب الصفحات، ويدقق في المعلومات، ويقارن بين المصادر، ويكتب ويصحح ويحرر، حتى بدا الكتاب جزءًا من حياته اليومية، لا عملًا يؤديه في وقت محدد ثم ينصرف عنه، بل أسلوب حياة تشكل عبر سنوات طويلة من الصحبة مع العلم والقلم.
وكان يعمل بجد، وفي الوقت نفسه بمتعة ظاهرة، وكأن الكتاب ليس عبئًا، بل رفيقًا يجد في صحبته راحته وأنسه. وقد ترك هذا المشهد في نفسي أثرًا عميقًا؛ لأن رؤية الإنسان وهو يمارس ما يؤمن به أبلغ من كثير من الكلام. وما رأيته من تعلقه بالكتاب، وصبره على البحث، وحرصه على الكتابة، جعلني أدرك أن الإنتاج العلمي الحقيقي لا يولد مصادفة، وإنما يولد من حب صادق، وعمل متواصل، وانضباط لا يعرف الكلل.
وخلال ذلك الشهر، لم أكن أراقب طريقته في العمل فحسب، بل كنت أستمع إلى نصائحه وتوجيهاته في القراءة والكتابة. وكانت تأتي بصورة طبيعية، مستندة إلى تجربة طويلة، فلا تبدو قواعد جامدة أو كلامًا نظريًا، بل خلاصة عمر قضاه بين الكتب والمقالات والمراجعات. ولذلك كانت تدخل إلى النفس بسهولة، وتدفعني إلى مراجعة علاقتي بالقراءة، والطريقة التي ينبغي أن أبني بها نفسي في هذا الطريق.
ومن أكثر ما أثر في نفسي ما وجدته فيه من أخلاق وتواضع. فعلى الرغم مما يحمله من علم وتجربة، لم أشعر في حديثه بتعالٍ، ولم يكن يقدم نفسه بوصفه من بلغ نهاية الطريق، بل كان يتعامل بروح الباحث الذي ما زال يتعلم، وبأخلاق المعلم الذي يريد أن ينقل خبرته إلى غيره بمحبة وصدق. وهذا التواضع قربني منه، وجعلني أستفيد من شخصيته وسيرته، كما استفدت من علمه.
فالإنسان لا يتعلم من الكتب وحدها، بل يتعلم أيضًا من الأشخاص الذين يجسدون ما يكتبونه في حياتهم. وقد وجدت في الدكتور نضير مثالًا على ذلك؛ فما كان يقوله عن الكتاب رأيته في تعامله معه، وما كان يدعو إليه من صبر وجدية رأيته في عمله، وما لمسته في كتاباته من هدوء وإنصاف وجدته كذلك في أخلاقه وتعاملاته.
ومن الطبيعي أن يتأثر الإنسان بمن يرى فيهم تجربة تستحق الاقتداء. وليس الاقتداء تقليدًا أعمى، بل هو استفادة من أخلاق الناجحين، ومن انضباطهم وصبرهم وطريقتهم في بناء أنفسهم. وقد وجدتني خلال تلك الصحبة أحاول أن أتشرب شيئًا من هذه الروح: احترام الكتاب، والصبر على القراءة، والجدية في طلب المعرفة، وعدم استعجال الكتابة قبل بناء أدواتها.
ثم عدت إلى بلدي، وأعدت قراءة هذا الكتاب قراءة متأنية، فبدأت أفهم أكثر لماذا كان أول ما أوصاني به الدكتور الخزرجي، فكل صفحة كنت أقرؤها كانت تعيد إلى ذاكرتي موقفًا رأيته، أو نصيحة سمعتها، أو طريقة في العمل عشتها معه. ولم أعد أقرأ كلمات مجردة، بل كنت أقرأ تجربة إنسان عرفته عن قرب، ثم وجدته حاضرًا بين سطور كتابه.
ومن الأمور التي زادت تقديري لهذا الكتاب أن صفحاته ليست وليدة لحظة عابرة، بل ثمرة رحلة طويلة مع القراءة والكتابة، فقد جمع في هذا العمل خلاصة قراءات ومقالات ودراسات كتبها على امتداد سنوات، ثم أعاد ترتيبها وصياغتها في كتاب واحد، ليضع بين يدي القارئ تجربة نضجت مع الزمن، لا أفكارًا كتبت على عجل، ولذلك يشعر القارئ أن كل فصل يحمل وراءه سنوات من القراءة، والتأمل، والمراجعة، والعمل المتواصل.
لقد غيّر هذا الكتاب كثيرًا من مفاهيمي حول القراءة. كنت أحبها وأستمتع بها، لكنني لم أكن أتعامل معها دائمًا بوصفها علمًا يحتاج إلى تدريب، ومنهجًا ينبغي أن يُكتسب. وكنت أظن أن القراءة تتحقق بمجرد الانتهاء من الكتاب، فإذا بهذا العمل يعلمني أن القراءة الحقيقية أعمق من ذلك؛ فهي فهم، وتأمل، وتلخيص، وتدوين، ومقارنة، ومناقشة، ثم محاولة لتحويل ما نقرأه إلى وعي وأثر.
وأدركت أن قيمة القراءة لا تُقاس بعدد الكتب التي ننتهي منها، بل بمقدار ما يبقى منها في عقولنا ونفوسنا، وبما تحدثه من تغيير في فهمنا ونظرتنا إلى الأشياء. فالكتاب الذي لا يوقظ سؤالًا، ولا يفتح بابًا للتأمل، ولا يدفع قارئه إلى مراجعة أفكاره، قد يكون مر على العين، لكنه لم يبلغ العقل والوجدان.
ومن أجمل ما يقدمه هذا الكتاب أنه لا يعلّم القارئ كيف يبحث عن أخطاء الآخرين، بل يعلّمه أولًا كيف يحترم الكتاب، ويحترم مؤلفه، ويحترم الحقيقة العلمية. فالنقد عند المؤلف ليس هدمًا، ولا تصيدًا للزلات، ولا استعراضًا للمعرفة، وإنما هو قراءة واعية تقوم على الفهم والإنصاف، فتبرز جوانب القوة، وتناقش مواضع الضعف بهدوء وأمانة.
وهذه الرؤية في غاية الأهمية؛ لأن بعض الناس يظنون أن قوة النقد تكمن في قسوته، وأن الناقد لا يثبت مكانته إلا إذا انتقص من المؤلف، أما هذا الكتاب فيقدم نموذجًا مختلفًا؛ فالنقد مسؤولية وأخلاق قبل أن يكون مهارة، والناقد مطالب بأن يفهم النص أولًا، ثم ينصف صاحبه، وألا يحمل الكلام ما لا يحتمل.
كما شدني تنوع الموضوعات التي ضمها الكتاب، واتساع القراءات التي عرضها، بما يكشف عن رحلة طويلة مع الكتب والمكتبات، وعن صبر الباحث، ودقة المحرر، وحرص الكاتب على أن يقدم خلاصة تجربته لمن يأتي بعده. ولم أشعر أن المؤلف يستعرض ثقافته، بل وجدته يقدمها في صورة نافعة ومباشرة، وكأنه يضع بين يدي القارئ ما تعلمه خلال عقود، ثم يدعوه إلى أن يبدأ تجربته الخاصة.
وهذه من أعظم قيم الكتاب في نظري؛ فهو لا يصنع قارئًا مقلدًا، بل يشجع على بناء قارئ واعٍ، له طريقته، وأسئلته، وموقفه، لكنه يلتزم في ذلك كله بالإنصاف والأمانة. فلا يقدم وصفة جاهزة، بقدر ما يفتح الطريق، ويعرّف القارئ بالأدوات التي تعينه على بناء تجربته بنفسه.
ولعل أكثر ما أعجبني في هذا الكتاب أنه لا يكتفي بالحديث عن القراءة، بل يدعو إليها بأسلوب عملي. فهو لا يقول للقارئ: اقرأ أكثر، وإنما يرشده إلى كيف يقرأ، وكيف يدون، وكيف يناقش، وكيف يراجع، وكيف يكتب. وهذه، في تقديري، هي القيمة الحقيقية لهذا العمل؛ لأنه لا يضيف إلى معلومات القارئ فحسب، بل يغير طريقته في التعامل مع المعرفة.
وأستطيع أن أقول بكل صدق إن صحبتي للدكتور نضير الخزرجي، ثم قراءتي لهذا الكتاب، أحدثتا تحولًا واضحًا في نظرتي إلى القراءة والكتابة. فالفضل لله سبحانه وتعالى أولًا وآخرًا، ثم لا أنكر أن للدكتور نضير فضلًا كبيرًا في أن يدفعني إلى أن آخذ هذا الطريق بجدية، وأن يفتح أمامي بابًا كنت أقف على عتبته.
ولذلك فإنني لا أكتب هذه الكلمات مجاملة، وإنما أكتبها وفاءً لتجربة كان لها أثر حقيقي في نفسي. فمن حق أصحاب العلم والعطاء أن يعلموا أن جهودهم لا تذهب سدى، وأن كلماتهم ونصائحهم قد تفتح أمام إنسان طريقًا جديدًا، أو تعيد تشكيل علاقته بالكتاب والعلم والحياة.
وأوصي كل باحث، وكل طالب علم، وكل محب للكتاب، أن يقرأ «فن قراءة الكتاب ونقده» قراءة متأنية، لا قراءة عابرة. فهو ليس كتابًا في نقد الكتب فحسب، بل كتاباً في تربية القارئ، وتعليمه كيف يفكر، وكيف يقرأ، وكيف يحترم الكتاب، وكيف يحول القراءة إلى معرفة نافعة وعمل منتج.
وإذا سألني أحد يومًا: متى بدأت تنظر إلى القراءة والكتابة على أنهما طريق لبناء النفس، لا مجرد هواية؟ فسأقول: إن بدايتي الحقيقية لم تكن عندما أمسكت القلم لأكتب، ولا عندما أنهيت هذا الكتاب، وإنما بدأت يوم وجّهني الدكتور نضير الخزرجي إلى أن أجعل هذا الكتاب أول محطة في رحلتي، ثم تبلورت خلال صحبتي له، وتعززت بعد أن عدت إلى بلدي وأعدت قراءته بعين مختلفة.
لقد أدركت حينها أنَّ المعلم الحقيقي لا يكتفي بأن يضيف إلى معلومات تلاميذه، بل يغيّر طريقة تفكيرهم، ويوقظ فيهم حب المعرفة، ويمنحهم الثقة ليشقوا طريقهم بأنفسهم. وهذا، في نظري، هو الأثر الذي يبقى بعد مرور السنين، وهو أعظم ما يمكن أن يتركه صاحب علم في نفوس من حوله.
صدر الكتاب في العاصمة العراقية بغداد عن دار قناديل للنشر والتوزيع سنة 2025م في 847 صفحة من القطع الوزيري.
كاتب سعودي- سيهات (القطيف)