الكاتب/ بهاء زهير أحمد القيسي
لا مناص من أن أرض كوردستان تعتبر واحدة من أقدم المناطق التي استوطنها البشر الأوائل في تاريخ هذه البقعة من العالم القديم كما تعد أيضاً جبال زاغروس في تاريخها الحضاري الى نواة الوجود البشري الأول في هذه المنطقة وإلى عشرات الآلاف من السنين ولا غريب ان تتشكل اثار وحواضر الأنسانية في اقليم كوردستان محط اهتمام وتوثيق واعجاب كل من مر فيها.
هذا ماحصل مع العديد من الرحالة والمستشرقين وغيرهم حين ما زارو المنطقة ولبثو في أرضها ويعد المهندس (أي.إم.هاملتون) من اشهر من عمل في كوردستان ودون عنها في سجل يومياته المهمة والتي وصلت لنا في كتاب من أعداده اسماه (طريق في كردستان) المطبع في عام 1973 وترجمه المحامي جرجيس فتح الله.
من هو هاملتون وماذا يفعل في كوردستان؟ رشيبالد ميلن هاميلتون (1898–1972) ذلك هو المهندس المدني النيوزيلندي الذي قام بتصميم وبناء طريق هاميلتون الاستراتيجي والمعروف الىٰ وقتنا هذا بنفس الاسم في إقليم كردستان ما بين عامي 1928 و1932، والذي يمتد من أربيل مروراً برواندز وصولاً إلى الحدود الإيرانية في حاج عمران.
ما يهمنا في هذا الكتاب حديث هاملتون في الفصل الخامس عشر، عن قبور كنز الملوك القدماء حيث ويروي هاملتون مادار معه من نقاش مع المؤرخ الكوردي سيد حزني أفندي صاحب جريدة (زارى كرمانجي) حول كهف عجيب في جبال برادوست في راوندوز يعرفه سكان المنطقة يدعىٰ (كوسبه سبى ) حيث تنتشر اخبار هذا الكهف كنوع من الأساطير وان موقعه بالضبط سر لايبوح به رجال القبائل ويحرصون عليه حرص شديد. ويقال ان فيه كثير من الاقنية والتماثيل والمنحوتات البارزة لملوك الأقدمين والأمراء السابقين قد عملت كلها من الصخر، وفيه أيضاً اضرحة كهنة دين عفى الزمن عليهم وكلن يقصد بهم اتباع الديانه الزرادشتية وبعد ما انتهى اللقاء مع حزني افندي عاد هاملتون الى معسكره وتحدث بالموضوع مع صديقة الضابط الاثوري ياقو اسماعيل الذي كان يعمل في المعسكر وسئله عن الاخبار التي لديه حول هذا المكان وكان اجابة ياقو له انه يقع في الطريق الاعلىٰ من قرية (هوديان) وقص ياقو ما يتداول عن هذا الكهف لدىٰ اهله وكيف انه يحوي على موضع النار الخالدة التي لا يخمد سعيرها وعلى القبو السري الذي يضم كنز ملوك اشور الأقدمي الذين حملوا زينات هياكل المدن المجاورة التي اجتاحها الاشوريون وتحدث ياقو ايضاً عن حكايه غريبة مصدرها ابن عمه حيث ان رجل من ارمينيا قد جاء لقريتهم في هوديان وابتاع حمار وقد استخبر هذا الرجل ايضاً عن الكهف وكان معه كتاب عتيق باللغة الارمنية وبينما كان الارمني مشغول في تناول طعامه في الچايخانه مد يده ابن عمي الى خرج الحمار وتناول ذلك الكتاب العتيق وكانت صحائف الكتاب صور لكهنة يقدمون بشعائرهم الى بيت النار ورسوم لعلها رسوم غرف او أقبية تحت الأرض وبعدها خرج الارمني وغادر المكان متجهاً الى الخافق الاعلى في هوديان داغ على الطريق المتدة في الوادي حيث تسكن قبائل السورجي وبارزان المحاربة من الطرف الجنوبي لجبل برادوست ويؤكد قريبي اختفائه التام بعد رحيله الى ذلك الكهف. رد بعدها هاملتون، لابد ان الامر مهم فلنتزود بالطعام والاشياء المهمة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في عملية الاستكشاف.
كان شهر اب في الجبال قيضاً والطريق الىٰ هوديان شديد الأنحدار ونصعد من خلال شق ضيق وكان الجميع المرافقين في تلك الرحلة متسلحين ببندقية خشية من الأخطار الغير متوقعة وقد وقع حادث اثناء السير تمثل بسقوط صندوق من ظهر أحد البغال وعلق الضابط ياقو بقوله ربما لا توافق ارواح الجبال علىٰ رحلتنا وكان كنوع من الأيمان بالطالع. و قد بلغنا المنطقة الرئيسي الفاصل بين قمتين على ارتفاع ٤٥٠٠ قدم ومان يمكن ان نرىٰ من هنا وعلىٰ مسافة بعيدة جبالاً اخرىٰ فوقها بقع سوداء هنا وهناك وهي قرىٰ جبلية وفي الأسفل وعلىٰ عمق الاف الأقدام يمتد واد طويل مستقيم يكون فيه ألتقاء نهر الزاب بنهر راوندوز وكان علينا ان نتسلق الوجه الجنوبي في بروادوست ،وكان قد انضم الينا صياد اثوري مشهور من هوديان عظيم الخبرة بالجبال وواسع المعرفة في كهوفها لكنه كان عاجز عن ارشادنا الى الكهف المقصود بالأسطورة الذي ارتاده الأرمني، وكان قد طلب منا ان نضل نتعقبه لكونه دليلنا وقد وعد انه سيجد الماء الذي كان اول مطالبنا.
كان الطريق صعب للسير للجميع حتىٰ الحيوانات التي كانت تحمل متاعنا حيث كانت تتلوى من بين الصخور والأدغال حتى وصلنا الى جرف هاو كان فيه كهف صغير وفيه منبع ماء مظلم وهبطنا اليه زاحفون.. وخرجنا منه بعد ان رفعنا كميه منه في الدلاء ،، بعد ذلك قصد دليلنا موضع كان كهفا واسع الفتحة يستخدم لايواء الحيونات الا اننا وجدنا ظلام دامس ،وبعد تناول العشاء نظمنا واجب الخفارة ونمنا في قبيل الصباح ايقظنا صوت عيار ناري تبعته صرخة مرعبة صادرة من جهة الفتحة وكان دليلنا قد لمح شيء متحرك في ضوء القمر الباهت فاطلق عليه الرصاص للتخويف فحسب ظانا انه فهد او دب وقبل ان ندخل الى الكهف نصبنا حارسا على المدخل وزحفنا في الدهليز.
وكانت الأرض تتجه نحو العمق وبعد ان ربطنا انفسنا بالحبال ونزلنا عشرين ياردة كشفت لنا المصابيح فجأة عن غرفة اشبه بكاتدرائية وفيها اساطين وهي تكوين من الستالاكمايت وبعد ان تفرقنا داخل الغرفة الواسعة ورحنا نبحث بدقة وحذر حتى صاح الرجال ولقد اكتشف كهفا اخر واسع تحتنا على عمق 25 قدم وكان تقادم الزمن قد كلس المكان بطبقة من البلور، بعدها بحثنا عن وسيلة للهبوط الى القبو ولدهشتنا وخيبتنا تبين لنا جذع شجرة صغير فيه بقية من الاغصان بشكل عوارض سلم كان قد انزل واستند الى الجدار ومن اخضرار الجذع وحداثة الندوب ادركنا انه وضع هنا منذ وقت ليس ببعيد وصاح الجميع بصوت واحد الأرمني سبقنا الأرمني وهكذا قدمنا متأخرين وهكذا قررنا الا نغادر الكهف الابعد تفتيش دقيق وكان السلم قصير من ان يبلغ الحافة فربطنا حبلاً حول عمود كلسي و انزلقنا الى تحت واحد اثر الاخر . كان الكهف مغطىٰ بطبقة كلسية
وهوائه نقياً تنقلنا في ارجاء المكان ولم يكن فيه اي اثر لكنز او غيره وكنت دقيق جدا في البحث فوجدت فتحة في احد اركان الكهف مان مجرد ثقب في الارض الصخرية ولما سلطنا عليه المصابيح تبين انه كهف اخر عظيم وحاولنا توسيع الفتحة لكنه لم يكن ممكن الا بوسيلة اقوى فقررنا بأسف ان نبحث في مكان اخر. وان ننضم للقسم الاكبر من رفاقنا ونبحث في مكان اخر وحين توجهنا لمكان النزول وجدنا الحبل مفقود وجماعتنا غير موجودين ولم نلق جوابا على صياحنا ورحنا نعاني اقسى صدمة نفسية وقمنا ببحث يائس ولم نوفق الى اثر لهم بعدها سمعنا حشرجة مختنقة كأنها حشرجة التي سمعناها في ساعة الفجر الأولىٰ من جهة الكهف عند استيقاظنا على صوت الرصاص ، وهي الآن تختلف فجأة صوب إلينا ضوء من الأعلى ورأينا على نوره بندقية مصوبة ألينا وقال يدكما الى الأعلىٰ. كان النقيب يورك هو من حاول المزاح معنا بهذه الطريقة.
لم يؤدي بحثنا الىٰ نتيجة بخصوص الكنز، الأ اننا ذهلنا بروعة المكان ولم تسمح الساعات القليلة الباقية من النهار بالمزيد من التنقيب وكان من العسير استكشاف الكهوف الباقية لأن رحلة العودة الطويلة الىٰ المقر ويبقى سر كهف برادوست وحكاية الأرمني الغريب سراً مغلقاً لا تكشف عنه الجبال حتى يومنا هذا، هل كنا في الكهف الأعظم نفسه؟ من الأكيد ان الأرمني او منقباً اخر قد سبقنا الىٰ هذا الكهف علىٰ نعلم يقيناً انه هو الاخر مثلنا يجهل موقع الكهف المطلوب ومن جهة اخرىٰ لا نعرف محتويات الكتاب المجهول وماهي طبيعته ما كان صاحبه يبحث عنه متعرضاً للمخاطر فهل خاب سعينا في حين نجح الأرمني الذي كان قد غادر المنطقة فليس هناك طريق له التي تمر بهوديان حتى راوندوز الذي ينتهي بالنهر.
وبعد عودتنا الىٰ معسكرنا قصصنا الحكاية لضباط القوة الجوية وما قصوه لنا اهل المنطقة حول الكهف استهوتهم روح المغامرة وقرروا ارتياد اعماق الكهف وهو الجزء الذي شاهدته من خلال الثقب الصغير فأخذوا معدات ومفرقعات وفتحوا ثغرة في هذا القبو وتم فحصه بكل دقة ولم يعثروا علىٰ شيء وهذا ليس مستغرب، فأن الأرمني الذي أتىٰ ليقوم بتنقيبه كان سهل عليه الأمر ان يجد الوسيلة الكفيلة بفتح هذا القبو لو اشار كتابه الىٰ انه خزانة الكنز الذي يبحث عنه
لعل سيماط اللثام عن كهف اخر يوماً ما فيتضح. انه الكهف المنشود والكنز فيه مايزال غير ممسوس.
ان بلاد الشرق في الواقع بلاد الأرواح والطيوف ونحن لا نفهمها ولعل حقيقة كهف برادوست العظيم سيضل لغزا خالدا.