شيركو حبيب
حين يتسلّم الرئيس مسعود بارزاني وسامًا بابويًا رفيعًا، تقديرًا لدوره في إرساء السلام وحماية القيم الإنسانية وتعزيز مبادئ التعايش، فإن الأمر لا يتعلق بتكريم شخص فحسب، بل يحمل دلالات أعمق ترتبط بمسيرة رجل نشأ في مدرسة سياسية واجتماعية لها جذورها في بارزان، حيث التآخي والعيش المشترك واحترام الإنسان.
مسعود بارزاني هو ابن بارزان، البيئة التي ترعرع فيها على قيم لا تضع الإنسان في ميزان القومية أو الدين أو المذهب، ولا ترى في التنوع سببًا للانقسام. ومن هذه المدرسة تشكلت رؤيته التي جمعت بين الاعتزاز بالهوية الكوردية والإيمان بأن كوردستان وطن يتسع لجميع مكوناته. وهنا تكمن أهمية هذا التكريم.
فالقضية الكوردية، كما يؤكدها نهج بارزان، ليست قضية ضد أحد، وليست مشروعًا لإقصاء الآخرين. إنها قضية شعب ناضل من أجل حريته وحقوقه وكرامته، مع إيمانه بأن هذه الحقوق لا يمكن أن تكون على حساب حقوق الشعوب والمكونات الأخرى.
لقد عاش مسعود بارزاني منذ طفولته ظروفًا لم تكن سهلة؛ حروب ونزوح ونضال ومعاناة. لكنه لم يحوّل تلك التجربة إلى ثقافة كراهية أو انتقام، بل على العكس، ظل مفهوم التعايش واحترام الآخر حاضرًا في مواقفه، خصوصًا عندما تعرضت مكونات عراقية عديدة لأقسى أشكال العنف والاضطهاد.
وهنا تظهر خصوصية التجربة الكوردية.
فالشعب الذي عانى من محاولات طمس هويته، ومن التهجير والقمع والقتل، كان أكثر إدراكًا لمعنى أن يُستهدف الإنسان بسبب قوميته أو دينه أو معتقده. ولذلك لم يكن الدفاع عن المسيحيين والإيزيديين وسائر المكونات في كوردستان موقفًا عابرًا أو مجاملة سياسية، بل امتدادًا طبيعيًا لفكرة أساسية في نهج بارزان: لا يمكن بناء وطن مستقر إذا شعر أي مكوّن فيه بأنه مهدد أو مهمّش.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن التعايش ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما موقف يُختبر في الأزمات. وفي الوقت الذي تعرضت فيه المنطقة لموجات من التطرف والإرهاب، بقيت كوردستان مساحة لحماية التنوع الديني والقومي، وظهر موقف الرئيس بارزاني واضحًا في الدفاع عن حقوق المكونات وحمايتها.
ومن هنا تأتي قيمة الوسام البابوي، فهو اعتراف بدور بارزاني في ترسيخ ثقافة السلام والتعايش، لكنه في الوقت نفسه يلفت الانتباه إلى نهج سياسي يرى أن الدفاع عن الحقوق القومية لا يتعارض مع القيم الإنسانية، وأن الاعتزاز بالهوية لا يعني إلغاء هوية الآخرين.
القومية لا تعني الكراهية، والتمسك بالهوية لا يعني إقصاء الآخر.
هذه ليست مجرد عبارة، بل خلاصة تجربة طويلة. فالكوردي الذي يطالب بحقه في الحرية والكرامة يستطيع في الوقت نفسه أن يحترم العربي والتركماني والسرياني والآشوري، وأن يحترم المسلم والمسيحي والإيزيدي وسائر المكونات.
والوطن الذي يحمي هوية أبنائه ويحترم حقوق جميع مكوناته، هو وطن أقرب إلى الاستقرار والعدالة من وطن يقوم على الإقصاء والتفرقة.
وهذا هو جوهر المجتمع المدني الذي يؤمن به نهج بارزان: مجتمع لا تُقاس فيه قيمة الإنسان بانتمائه القومي أو الديني أو المذهبي، وإنما بكونه مواطنًا له حقوق وعليه واجبات.
ولذلك، فإن تكريم الرئيس مسعود بارزاني لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حدثًا بروتوكوليًا فقط. إنه رسالة سياسية وإنسانية في وقت تحتاج فيه المنطقة، أكثر من أي وقت مضى، إلى نماذج تؤكد أن الاختلاف يمكن أن يكون مصدر قوة، وأن التعددية يمكن أن تكون أساسًا للاستقرار، وأن السلام لا يعني التخلي عن الحقوق.
مسعود بارزاني يحمل إرث مدرسة بارزان، لكنه في الوقت نفسه يمثل رؤية للمستقبل؛ رؤية تقول إن الكورد يستطيعون الحفاظ على هويتهم القومية، والدفاع عن حقوقهم، وبناء مؤسساتهم، والانفتاح على الآخرين، من دون أن يتحول ذلك إلى عداء أو إقصاء.
لقد كان بارزاني واضحًا في أن كوردستان لا يمكن أن تكون قوية إذا كان أحد مكوناتها يشعر بأنه غريب فيها. فالقوة الحقيقية لا تُبنى فقط بالسياسة أو الاقتصاد أو الأمن، وإنما تُبنى أيضًا بالثقة بين أبناء المجتمع، وبإحساس كل فرد بأن كرامته مصانة وأن هويته محترمة.
ومن مدرسة بارزان يمكن فهم هذه الرؤية: أن الحرية حق، وأن العدالة أساس، وأن التعايش ضرورة، وأن احترام الإنسان يجب أن يبقى فوق الخلافات السياسية والقومية والدينية.
ولعل أجمل ما في هذا التكريم أنه يأتي من مؤسسة دينية عالمية تقدّر قيمة السلام والتعايش وحماية الإنسان.
وهو بذلك يضع تجربة بارزاني في سياق أوسع من حدود السياسة الكوردية والعراقية، ويعطي بعدًا إنسانيًا لمسيرة ارتبطت تاريخيًا بالدفاع عن شعب وحقوقه.
وبالنسبة للكورد، يبقى هذا التكريم محل اعتزاز، ليس لأن الوسام يرفع من قيمة مسعود بارزاني، فمكانته في وجدان شعبه لا تحتاج إلى وسام، وإنما لأن التكريم يسلط الضوء على جانب مهم من نهجه: أن النضال من أجل الحقوق يمكن أن يكون طريقًا إلى السلام، وأن الاعتزاز بالهوية يمكن أن يتعايش مع احترام الآخرين.
إن بارزان لم تكن مجرد جغرافيا في تاريخ الكورد، بل أصبحت مدرسة في الصمود والكرامة والتآخي. ومن هذه المدرسة جاء مسعود بارزاني، حاملًا إرثًا لم يقتصر على النضال القومي، بل امتد إلى الإيمان بأن الإنسان هو محور أي مشروع سياسي ناجح.
لذلك، فإن الوسام الذي تسلّمه الرئيس بارزاني يمكن أن يُقرأ بأكثر من معنى. فهو تكريم لشخصه، وتقدير لمواقفه، وفي الوقت نفسه شهادة على نهج يرى في التنوع ثروة، وفي التعايش قوة، وفي السلام مستقبلًا.
وفي زمن تزداد فيه الانقسامات، تبقى رسالة بارزان واضحة:
نتمسك بهويتنا دون أن نلغي الآخرين، ندافع عن حقوق شعبنا دون أن ننكر حقوق غيرنا، ونبني مستقبل كوردستان على الحرية والعدالة والتعايش.
وهذا هو المعنى الأعمق للوسام.
وسامٌ على صدر الرئيس مسعود بارزاني، وشهادةٌ على نهج بارزان الذي أراد لكوردستان أن تكون قوية بهويتها، عادلة في مجتمعها، ومتسعة لجميع أبنائها.