ما وراء الصورة: عندما تتحدث الخرائط بلغة السياسة

عطا شميراني

في السياسة، لا تكون الصورة دائماً مجرد صورة، ولا تكون الخلفية مجرد ديكور. أحياناً تختصر خريطةٌ كاملةٌ ما تعجز عشرات البيانات عن قوله، وتتحول كلمة واحدة خلف مسؤول سياسي إلى رسالة تحمل دلالات تتجاوز حدود المكان والزمان. وهذا تحديداً ما يجعل الصورتين اللتين ظهرتا في بغداد، واحدة لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف وخلفه عبارة «الخليج الفارسي»، وأخرى لرئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي وخلفه عبارة «الخليج العربي»، تستحقان قراءة تتجاوز الجدل التقليدي حول تسمية الخليج.

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد سجال لغوي بين تسميتين متعارضتين، لكن السياسة لا تنظر إلى الكلمات منفصلة عن سياقها. قاليباف لم يكن في طهران عندما ظهرت خلفه عبارة «الخليج الفارسي»، بل كان في بغداد، عاصمة العراق، الدولة العربية التي ترتبط بإيران بحدود طويلة ومصالح اقتصادية وأمنية وسياسية عميقة. ولذلك فإن اختيار هذه الخلفية، سواء كان مقصوداً من جانبه أو من فريقه الإعلامي، يحمل قيمة رمزية واضحة: إيران تريد أن تؤكد حضور روايتها التاريخية والجغرافية حتى داخل المجال العراقي.

الصورة، بهذا المعنى، ليست إعلاناً عن اسم جغرافي فقط، بل ممارسة لما يمكن تسميته «الدبلوماسية الرمزية». فالدول لا تستخدم الكلمات والبيانات وحدها للتعبير عن مصالحها؛ تستخدم الخرائط والأعلام والمواقع والخلفيات وحتى ترتيب المسؤولين أمام الكاميرات. وكل هذه التفاصيل يمكن أن تتحول إلى أدوات لإنتاج المعنى السياسي.

لكن المفاجأة جاءت من الصورة المقابلة للحلبوسي. لم يدخل رئيس البرلمان العراقي في سجال لفظي مع قاليباف، ولم يحتج أمام الكاميرات، ولم يصدر بياناً طويلاً. بدلاً من ذلك، ظهرت خلفه عبارة «الخليج العربي». وهنا تحولت الصورة إلى مرآة سياسية للصورة الإيرانية.

قاليباف قال بالصورة: «الخليج الفارسي».

والحلبوسي قال بالصورة: «الخليج العربي».

هذه ليست مجرد مواجهة بين كلمتين؛ إنها مواجهة بين سرديتين حول هوية المنطقة وموقع العراق منها.

الأهم أن الرد العراقي يمكن قراءته على مستويين. المستوى الأول هو المستوى العربي، حيث يؤكد العراق أنه لا يزال يرى نفسه جزءاً من الفضاء العربي، وأن علاقته بإيران، مهما كانت عميقة ومهمة، لا تعني التخلي عن هويته العربية أو عن علاقاته مع الدول العربية.

أما المستوى الثاني، وهو الأهم سياسياً، فيتعلق بالسيادة العراقية. الرسالة هنا ليست فقط «الخليج عربي»، وإنما «العراق يملك حق تعريف موقعه ومصالحه بنفسه». وهذا فرق جوهري.

العراق منذ عام 2003 يعيش في منطقة شديدة التعقيد. فهو جار لإيران، وله علاقات تاريخية واجتماعية واقتصادية واسعة معها، وفي الوقت نفسه دولة عربية ترتبط بالخليج وبالدول العربية سياسياً واقتصادياً وأمنياً. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام بغداد ليس اختيار طهران أو الخليج، وإنما بناء سياسة خارجية تمنع تحول العراق إلى تابع لأي محور.

من هذه الزاوية، تصبح صورة الحلبوسي أكثر من مجرد دفاع عن تسمية «الخليج العربي». إنها رسالة إلى إيران بأن بغداد تستطيع أن تتعاون معها من دون أن تتبنى بالضرورة كل سردياتها السياسية أو القومية. وهي في الوقت نفسه رسالة إلى دول الخليج العربية: لا تنظروا إلى العراق باعتباره دولة واقعة بالكامل داخل النفوذ الإيراني.

وهنا تظهر مسؤولية دول الخليج أيضاً.

إذا كانت الدول العربية تريد عراقاً أكثر استقلالاً عن إيران، فإن ذلك لا يتحقق بالتصريحات وحدها. النفوذ السياسي لا يُنتزع بالشعارات، وإنما بالحضور الاقتصادي والاستثماري والثقافي والدبلوماسي. عندما تترك دولةٌ ما فراغاً في بلد مهم مثل العراق، فإن قوى أخرى ستملأ هذا الفراغ. إيران فهمت هذه القاعدة مبكراً، ولهذا استطاعت أن تبني شبكة واسعة من العلاقات والمصالح والنفوذ داخل العراق.

لكن في المقابل، يجب ألا يتحول العراق إلى ساحة صراع بين إيران ودول الخليج. العراق ليس ورقة في يد طهران، وليس أداة في يد العواصم العربية. مصلحته أن يكون دولة مستقلة تقيم علاقات متوازنة مع الجميع.

ومن هنا يمكن فهم الحساسية الخاصة بالساحل العراقي. فالعراق يمتلك شريطاً ساحلياً محدوداً مقارنة بالدول الخليجية الأخرى، لكن أهمية الجغرافيا لا تقاس بعدد الكيلومترات. موقع العراق عند شط العرب، وموانئه، وارتباط صادراته النفطية بالممرات البحرية، يجعله طرفاً أصيلاً في معادلة الخليج، وليس مجرد مراقب لها.

أما فكرة تسمية الخليج بـ«خليج البصرة»، فهي سياسياً فكرة ذكية لأنها تحاول إخراج العراق من الثنائية الإيرانية ـ العربية، وتقديم قراءة عراقية مستقلة. لكن تحويلها إلى حقيقة تاريخية مطلقة يحتاج إلى تدقيق في الخرائط والمصادر التاريخية، لأن تاريخ التسميات الجغرافية أكثر تعقيداً من الشعارات السياسية.

في النهاية، لا تكمن أهمية الصورة في معرفة من انتصر في معركة «الخليج الفارسي» أم «الخليج العربي». الانتصار الحقيقي للعراق سيكون عندما يستطيع أن يقول لإيران: أنت جار مهم، ولكنك لست صاحب القرار في بغداد. ويقول لدول الخليج: نحن جزء من محيطنا العربي، لكننا لسنا تابعين لأحد.

تلك هي الرسالة الأعمق التي تختبئ خلف الصورة.

فالعراق لا يحتاج إلى أن يختار بين إيران والعرب بقدر ما يحتاج إلى أن يختار نفسه.

وعندما يصبح القرار العراقي مستقلاً، تتحول الخريطة من ساحة صراع بين الآخرين إلى مساحة تتحرك فيها بغداد وفق مصالحها.

الخلاف على اسم الخليج قد يكون رمزياً، لكن الخلاف الحقيقي هو: من يملك حق تعريف العراق؟

وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.

قد يعجبك ايضا