مصطفى عبدالكريم قایتەوەني
سبق أن أعلن جهاز مكافحة الإرهاب في إقليم كوردستان، في بيانات رسمية، عن تعرض مواقع مدنية وأمنية ومطارات ومنشآت حيوية في الإقليم لهجمات واستهدافات بالطائرات المسيّرة. وخلال الأشهر الماضية، امتدت هذه الاستهدافات لتطال مواقع وشخصيات بارزة، من بينها مقر الرئيس مسعود بارزاني، القائد الأعلى للشعب الكوردستاني، وفق ما أعلنته الجهات المعنية.
واليوم، في 16 آب/أغسطس 2026، وفي مناسبة تحمل رمزية كبيرة للشعب الكوردي، وهي ذكرى تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، شهد إقليم كوردستان استهداف مكتب ومقر رئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني، إلى جانب مواقع أخرى، بواسطة طائرات مسيّرة، في حادثة تفتح مجددًا ملف أمن الإقليم وسيادته وحدوده وعلاقاته مع دول الجوار.
إن استهداف المؤسسات الحكومية والمواقع المدنية والأمنية في كوردستان ليس مجرد حادث أمني عابر، بل يمثل تطورًا خطيرًا عندما تتكرر الهجمات وتطال منشآت حيوية وشخصيات سياسية ومواقع مدنية. فمثل هذه العمليات، إذا ثبتت الجهات المسؤولة عنها، تثير أسئلة جدية حول احترام سيادة العراق وإقليم كوردستان، ومبادئ حسن الجوار، وعدم استخدام القوة أو الجماعات المسلحة وسيلةً لفرض الإرادة السياسية.
الحرس الثوري والنفوذ الإقليمي
لا يمكن الحديث عن هذه التطورات من دون التوقف عند الدور الإقليمي للحرس الثوري الإيراني وشبكة الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في المنطقة. فقد أصبح الحرس الثوري، ولا سيما في الملفات الأمنية والإقليمية، لاعبًا مؤثرًا في السياسة الخارجية والأمنية الإيرانية، كما أن له علاقات ونفوذًا مع قوى مسلحة حليفة في عدد من دول المنطقة، بما فيها العراق.
ولهذا، فإن أي هجوم ينطلق من الأراضي الإيرانية، أو تنفذه جهات مسلحة مرتبطة بها، يحتاج إلى إجابات واضحة ومسؤولة، لأن أمن العراق وإقليم كوردستان لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
لقد شهد إقليم كوردستان خلال الفترة الماضية سلسلة من الهجمات التي طالت، بحسب البيانات والتقارير الرسمية، مواقع مدنية وأمنية، ومنشآت اقتصادية ومصادر للطاقة، فضلًا عن سقوط ضحايا من المدنيين وأفراد البيشمركة. كما تعرضت مصالح اقتصادية ورجال أعمال ومنشآت حيوية للاستهداف.
وهنا لا بد من طرح السؤال: إلى متى يبقى إقليم كوردستان هدفًا لهجمات متكررة، بينما يُطلب منه في الوقت نفسه أن يتحمل مسؤولية حماية الاستقرار وحسن الجوار؟
استهداف مكتب رئيس الوزراء.. رسالة تتجاوز المكان
إن استهداف مكتب رئيس وزراء إقليم كوردستان مسرور بارزاني في يوم 16 آب، وهو يوم يحمل أهمية خاصة في الذاكرة السياسية الكوردستانية، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن سياق الهجمات المتكررة.
فالمكاتب الحكومية ليست أهدافًا عسكرية مشروعة لمجرد وجود خلاف سياسي أو إقليمي. والمؤسسات الحكومية تمثل شعبًا ومؤسسات وسلطة إدارية، واستهدافها يبعث برسالة تتجاوز المكان المستهدف إلى ملايين المواطنين الذين يرون في هذه المؤسسات جزءًا من كيانهم السياسي والإداري.
ولذلك، فإن القضية ليست قضية شخص أو مكتب أو حزب، بل قضية احترام المؤسسات، وحماية المدنيين، واحترام سيادة العراق وإقليم كوردستان، ومنع تحويل أراضي الإقليم إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.
كوردستان لم تكن وحدها
في مواجهة هذه التطورات، جاءت مواقف دولية وسياسية وشعبية عبّرت عن التضامن مع إقليم كوردستان ورفض استهدافه، كما تلقى رئيس الوزراء مسرور بارزاني اتصالات وبرقيات ومواقف مساندة من جهات وشخصيات مختلفة، في رسالة واضحة بأن أمن كوردستان واستقرارها يحظيان باهتمام يتجاوز حدود الإقليم.
وعلى الصعيد العراقي والكوردستاني، كان الموقف الشعبي والسياسي لافتًا أيضًا، فقد عبّر كثيرون عن رفضهم للهجمات، واعتبروا أن استهداف المؤسسات الحكومية هو استهداف للإرادة السياسية والأمن والاستقرار في كوردستان.
وفي وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت عبارة تعبّر بوضوح عن حجم التضامن الشعبي؛ (كل بيت في كوردستان هو بيت رئيس الوزراء)، هذه العبارة، بصرف النظر عن بعدها العاطفي، تحمل معنى سياسيًا مهمًا؛ فهي تقول إن استهداف مؤسسة أو مكتب حكومي لا يعني استهداف مبنى فقط، بل يمس شعور شعب كامل بالأمن والكرامة والسيادة.
موقف عراقي يحتاج إلى مزيد من الشجاعة
كما أن مواقف عدد من الأحزاب والشخصيات السياسية الكوردستانية والعراقية تجاه هذه الهجمات تستحق التقدير، لأنها أكدت أن الخلافات السياسية الداخلية لا ينبغي أن تتحول إلى قبول باستهداف الإقليم أو مؤسساته، وكان للموقف الصادر عن رئيس الوزراء العراقي وعدد من القادة والشخصيات العراقية أهمية خاصة، لأنه يعكس مسؤولية الدولة العراقية في حماية سيادتها ومنع استخدام أراضيها أو أجوائها ساحةً للصراعات الإقليمية.
لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى موقف أكثر وضوحًا وشجاعة، ليس ضد دولة بعينها، وإنما دفاعًا عن مبدأ أساسي: لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا كانت أراضيها وأقاليمها عرضة لهجمات خارجية أو لهجمات تنفذها جماعات مسلحة خارج إطار الدولة.
الاعتذار ليس ضعفًا.. بل مسؤولية
في نهاية المطاف، يبقى هناك أمر أساسي لا يمكن تجاهله: إذا ثبت رسميًا أن الهجمات انطلقت من الأراضي الإيرانية أو نفذتها جهات مرتبطة بالسلطات الإيرانية، فإن المسؤولية السياسية تقتضي توضيح الحقيقة للرأي العام. وإذا كانت إيران تريد علاقات قائمة على الاحترام المتبادل مع العراق وإقليم كوردستان، بوصفها دولة جارة ترتبط بحدود طويلة ومصالح مشتركة، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ باحترام السيادة وعدم التدخل وعدم استهداف المؤسسات.
والاعتذار الرسمي، عندما يثبت الخطأ أو التجاوز، ليس ضعفًا ولا هزيمة؛ بل يمكن أن يكون خطوة شجاعة نحو تصحيح المسار وإعادة بناء الثقة بين الجيران.
أما كوردستان، فقد أثبتت خلال العقود الماضية أنها لا تبحث عن الصراع، لكنها في الوقت نفسه لن تقبل أن تكون ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
لقد تغيرت الظروف، وتغيرت كوردستان، وتغير وعي شعبها. ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع واضحة:
احترام كوردستان وسيادتها وأمن شعبها ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة لاستقرار العراق والمنطقة بأسرها، وإذا استمرت الاستهدافات، فإن الصمت لن يكون حلًا، كما أن ترك الأمور بلا معالجة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر. المطلوب هو موقف واضح، وتحقيق شفاف، ومحاسبة المسؤولين، وضمانات حقيقية تمنع تكرار هذه الهجمات.
فكوردستان تريد السلام، لكنها تريد سلامًا قائمًا على الندية والاحترام، لا سلامًا يُطلب منها فيه أن تغض الطرف عن الانتهاكات المتكررة.