بقلم: خالد الياس رفو
هناك أسئلة تدور في ذهن العديد من الأيزيديين تبدو بسيطة لكنها تحمل في أعماقها قضايا أكبر من الكلمات ومنها يأتي السؤال الذي نود طرحه هنا ليس بدافع الخصومة أو الرغبة في التصعيد وإنما بدافع الحرص على مبدأ أساسي لا يمكن لأي مجتمع ديمقراطي أن يستقيم من دونه وهو احترام الإنسان وكرامته وحقه في أن يعيش معتقده وهويته بأمان.
السؤال هو: هل يستطيع جناب الأمير أن يفرض احترام الأيزيديين على الأحزاب الإسلامية الكوردية حتى يكون قادراً على المطالبة باحترامهم مثلاً لدى ملك السعودية ومفتي ديارها.؟! هل يستطيع جناب الأمير أن يفرض احترام الأيزيديين على بعض رجال الدين والملالي في كوردستان وأن يجعل من إحترام ديانتنا وكرامتنا جزءاً ثابتاً من الخطاب الديني والاجتماعي والسياسي حتى يكون قادراً على المطالبة بالمبدأ ذاته لدى مثلاً رئيس جمهورية مصر وشيخ الأزهر.؟!
قد يبدو السؤال جريئاً لكنه في جوهره سؤال عن المصداقية قبل أن يكون سؤالاً عن السياسة.
الاحترام يبدأ من الداخل.
من السهل أن نطالب الآخرين باحترامنا لكن الأصعب أن نمارس هذا المبدأ في محيطنا القريب خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأقلية دينية أو مكون اجتماعي يختلف عن الآخرين في العقيدة والمفاهيم وله ثقافة وتاريخ مميز.
إن احترام الأيزيديين لا ينبغي أن يكون مطلباً موجهاً إلى الخارج فقط بل يجب أن يبدأ من الداخل ” من المساجد والمنابر الدينية والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات السياسية ” ومن كل موقع يمكن أن يؤثر في تشكيل وعي المجتمع.
إذا كان الأيزيدي مواطناً كامل الحقوق والكرامة في كوردستان والعراق فان احترامه ليست منة من أحد ولا فضلاً يمنحه طرف سياسي أو أجتماعي أو ديني متى شاء بل هو حق أصيل تفرضه المواطنة والقانون والإنسانية.
إن أي خطاب ديني يتضمن تكفير الأيزيديين أو تحقيرهم أو التشكيك في إنسانيتهم أو التحريض ضدهم لا يمكن تبريره تحت عنوان حرية التعبير أو الاختلاف الديني. الحرية لا تعني منح أحد الحق في إهانة الآخر أو التحريض عليه.
اختبار الموقف الحقيقي هو هل يمكن ان نجد مسؤولاً أو شخصية سياسية أو دينية يطالب العالم باحترام الأيزيديين.! فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو هل نحن مستعدون وقادرون لضمان هذا الاحترام في محيطنا المجتمعي.؟ هل نستطيع أن نقول بوضوح إن الأيزيدي مواطن له الحق نفسه في الكرامة والأمان والحرية الدينية.؟ هل نستطيع أن نواجه أي رجل دين يتجاوز على الأيزيديين بصرف النظر عن مكانته أو نفوذه بالقدر نفسه من الحزم الذي نطالب به الآخرين.؟ هل تستطيع المؤسسات السياسية والدينية أن تضع حداً واضحاً لكل خطاب يزرع الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد؟ إن قوة أي موقف سياسي أو أخلاقي لا تقاس بما نطالب به الآخرين وإنما بما نلزم به محيطنا أولاً.
الأيزيديين لا يطلبون تغيير عقيدة أحد ومن المهم التأكيد على أن المطالبة باحترام الأيزيديين لا تعني مطالبة المسلمين أو المسيحيين أو غيرهم بالإيمان بالعقيدة الأيزيدية ولا تعني إلغاء الاختلاف الديني. الاختلاف حق إنساني بل هو جزء من طبيعة المجتمعات البشرية لكن هناك فارقاً جوهرياً بين الاختلاف في العقيدة والدين مع الآخر وبين إهانة أتباع تلك العقيدة أو تكفيرهم أو التحريض عليهم.
يمكن للإنسان أن يختلف مع معتقد ودين غيره دون أن يسلبه إنسانيته ويمكن لرجل الدين أن يشرح عقيدته دون أن يجعل من أتباع الأديان الأخرى هدفاً للكراهية ويمكن للمجتمع أن يحافظ على هويته الدينية والثقافية دون أن يحول اختلافه مع الآخرين إلى عداء لهم وهنا تكمن قيمة التعايش الحقيقي ومن هنا يأتي السؤال الأصعب.
إذا كان جناب الأمير والمجلس الروحاني والهيئات والمؤسسات الأيزيدية يريدون أن يطالبوا من العالم العربي والإسلامي وسائر الشعوب والأديان باحترام الأيزيديين فالأجدر أن يبدأوا من كوردستان نفسها.
ليبدأ من الأحزاب الإسلامية الكوردية ومن المنابر الدينية ومن رجال الدين والملالي ومن الخطاب الإعلامي وليقل بوضوح إن الأيزيدي قبل أن يكون صاحب عقيدة ودين مختلف هو إنسان له كرامته ومواطن له حقوقه ومكوّن أصيل من تاريخ هذه المنطقة عندها فقط يصبح من الممكن أن يتحول هذا الموقف إلى رسالة أوسع يمكن حملها إلى الرياض والقاهرة وغيرها من العواصم ومطالبة المؤسسات والشخصيات الدينية والسياسية فيها بالمبدأ ذاته.
أن نطالب الآخرين بما لا نستطيع ضمانه في محيطنا فذلك يضعف الموقف بدل أن يقويه والقضية أكبر من الإيزيدي في الحقيقة والمسألة لا تتعلق بهم وحدهم. إن احترام الأيزيدي هو اختبار لاحترام التنوع الديني كله وحماية دين الأقلية هي حماية لمبدأ التعددية الذي تحتاجه المجتمعات أكثر من أي وقت مضى فالمجتمع الذي يحمي حق المختلف في الوجود والاعتقاد هو مجتمع قوي وواثق من نفسه.
أما المجتمع الذي يخاف من الاختلاف ويحاول إلغاء الآخر أو إخضاعه أو تشويه صورته، فإنه يضعف من داخله مهما بدا قوياً في الظاهر. لهذا فإن مواجهة خطاب الكراهية ليست دفاعاً عن الأيزيديين وحدهم بل دفاع عن مستقبل المجتمع نفسه.
لسنا بحاجة إلى أن نتفق في العقيدة حتى نحترم بعضنا ولسنا بحاجة إلى أن نتشابه حتى نتعايش وليس مطلوباً من أحد أن يعتنق دين الآخر حتى يعترف بحقه في أن يكون مختلفاً المطلوب أبسط من ذلك وأعمق وهو أن نرى الإنسان أولاً ومن هنا يبقى السؤال مطروحاً بكل هدوء ووضوح.
إذا أردنا أن نطالب ملك السعودية ومفتي ديارها ورئيس مصر وشيخ الأزهر باحترام الأيزيديين فهل نستطيع أن نضمن هذا الاحترام للأيزيديين في كوردستان.؟
إن كان الجواب (نعم) فذلك موقف يستحق التقدير والدعم أما إن كان الجواب (لا) فربما يكون الأجدر بنا أن نبدأ من البيت قبل أن نطالب الآخرين بتغيير ما وراء حدوده.
الاحترام الحقيقي لا يبدأ من الخارج بل يبدأ من الداخل. والمبدأ الذي لا نستطيع الدفاع عنه بيننا يصعب أن نقنع الآخرين به خارج حدودنا.