الاستاذ الدكتو
نزار الربيعي
لم يعد الأمن في الدولة المعاصرة مفهوماً قابلاً للتجزئة بين مركز وأطراف، ولا مساحةً يمكن حصرها داخل حدود إدارية أو سياسية ضيقة، لأن طبيعة التهديدات الحديثة تجاوزت الجغرافيا التقليدية، وأصبحت تنتقل بسرعة بين المدن والأقاليم والمجتمعات والمؤسسات. ومن هذا المنطلق فإن القول إن المساس بأمن إقليم كردستان هو مساس بالأمن الوطني العراقي لا يمثل مجرد موقف سياسي أو صياغة تضامنية، بل يعبر عن حقيقة دستورية وستراتيجية عميقة تتصل بطبيعة الدولة العراقية وبوحدة مصالحها ومصيرها. فالإقليم جزء من البنية الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للعراق، وأي اضطراب أمني يتعرض له لا يبقى محصوراً في حدوده، وإنما تمتد آثاره إلى مجمل النظام الوطني، كما أن استقرار بقية المحافظات العراقية ينعكس بصورة مباشرة على استقرار الإقليم وقدرته على التنمية وحماية مجتمعه. الأمن هنا شبكة مترابطة؛ إذا تعرضت إحدى حلقاتها للخلل تأثرت بقية الحلقات، وإذا قويت إحدى ساحاتها أصبحت عاملاً مساعداً على تقوية المنظومة الوطنية بأكملها.
إن الفهم التقليدي للأمن كان يركز على حماية الحدود ومنع الاعتداء الخارجي والمحافظة على مؤسسات الدولة، أما الفهم الحديث فينظر إلى الأمن بوصفه منظومة شاملة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسيبرانية والبيئية. ووفق هذا الفهم، لا يمكن تصور أمن وطني عراقي مستقر في ظل تعرض أي جزء من البلاد إلى تهديد دائم، سواء كان ذلك التهديد إرهابياً أو عسكرياً أو سياسياً أو اقتصادياً. فاستقرار أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة لا ينفصل عن استقرار بغداد ونينوى وكركوك والأنبار والبصرة وبقية المحافظات، لأن حركة السكان والتجارة والطاقة والاستثمار والاتصالات والمصالح العامة صنعت فضاءً وطنياً واحداً تتقاطع داخله المصالح بصورة تجعل من الأمن مسؤولية مشتركة لا امتيازاً جغرافياً لفئة أو منطقة. ولذلك فإن النظرة الستراتيجية الرشيدة لا تسأل: أين وقع التهديد؟ بل تسأل: كيف يؤثر هذا التهديد في الدولة العراقية كلها؟
ومن الناحية الدستورية، يقوم النظام العراقي على الاعتراف بالتعدد ضمن إطار الدولة الاتحادية، وهو ما يعني أن العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان ليست علاقة بين كيانين منفصلين، وإنما علاقة بين مستويات دستورية داخل دولة واحدة. وهذه الحقيقة تفرض مفهوماً متقدماً للتضامن الأمني، بحيث لا يُنظر إلى حماية الإقليم باعتبارها شأناً إقليمياً صرفاً، كما لا ينظر إلى حماية بغداد أو البصرة أو الموصل بوصفها مسؤولية محلية منفردة. إن السيادة الوطنية لا تتجزأ في مواجهة الأخطار الخارجية، وحرمة الأراضي العراقية تشمل جميع أجزائها، كما أن حماية المواطنين ومؤسسات الدولة والبنية التحتية والمصالح الاقتصادية تمثل التزاماً وطنياً عاماً. ومن ثم فإن أي اعتداء على أرض الإقليم أو مؤسساته أو سكانه ينبغي أن يقرأ ضمن إطار الاعتداء على المجال السيادي العراقي، وأن يعالج بأدوات الدولة السياسية والدبلوماسية والأمنية والقانونية وفق مقتضيات الدستور والمصلحة العليا.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية أكبر حين نتأمل الجغرافيا العراقية وموقع إقليم كردستان فيها. فالإقليم يقع في منطقة ذات حساسية جيوسياسية عالية، ويتصل بحدود دولية وممرات اقتصادية ومناطق جبلية معقدة، كما يشكل فضاءً مهماً للتجارة والاستثمار والطاقة والحركة السكانية. وهذه الخصائص تمنح أمنه بعداً وطنياً وإقليمياً في آن واحد. فإذا تعرضت هذه المساحة لعدم الاستقرار، فإن التداعيات قد تظهر في صورة نزوح داخلي، أو تعطيل للتجارة، أو تراجع للاستثمار، أو ضغط على الموازنة العامة، أو توتر في العلاقات الخارجية، أو ظهور فراغات تستغلها التنظيمات الإرهابية والجريمة المنظمة وشبكات التهريب. ولهذا فإن الوقاية من التهديدات في الإقليم ليست دفاعاً عن منطقة بعينها فحسب، وإنما هي دفاع مبكر عن العمق العراقي كله، لأن معالجة الخطر عند بدايته أقل كلفة من السماح له بالتمدد ثم محاولة احتوائه بعد أن يتحول إلى أزمة وطنية.
وقد أثبتت تجربة العراق في مواجهة الإرهاب أن التهديدات لا تعترف بالحدود الإدارية. فعندما تمددت التنظيمات الإرهابية في بعض المحافظات لم تكن آثارها محصورة في المناطق التي سيطرت عليها، بل انعكست على العراق بأسره، وأصبحت المعركة معركة وطنية شاركت فيها مؤسسات الدولة والقوات الأمنية والبيشمركة والقوى المجتمعية بمستويات مختلفة. ومن هذه التجربة يمكن استخلاص قاعدة أساسية: إن الفراغ الأمني في أي مساحة عراقية يتحول سريعاً إلى تهديد لبقية المساحات. ولذلك فإن التنسيق بين القوات الاتحادية وقوات حرس الإقليم، ولا سيما في المناطق التي تتطلب ترتيبات أمنية مشتركة، ليس مسألة فنية ثانوية، بل يمثل أحد أعمدة الأمن الوطني. وكلما ارتفع مستوى تبادل المعلومات والتخطيط والتنسيق الميداني، انخفضت قدرة الجماعات الإرهابية على استغلال الفجوات والفراغات والمساحات غير المحكومة بصورة فعالة.
إن عبارة «المساس بأمن الإقليم مساس بالأمن الوطني» تحمل في جوهرها فلسفة للدولة تقوم على الانتقال من أمن المكونات إلى أمن المواطنة، ومن أمن الجغرافيا الجزئية إلى أمن المجال الوطني الشامل. فالدولة القوية لا تبني استقرارها على شعور جزء من مواطنيها بأنهم محميون أكثر من غيرهم، وإنما على يقين الجميع بأن أي خطر يتعرض له مواطن في أقصى الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب يستدعي اهتمام الدولة بوصفه خطراً يمس مسؤوليتها الأساسية. وهذه الفلسفة تعيد تعريف الوطنية باعتبارها تضامناً عملياً لا شعاراً عاطفياً؛ فالوطنية تظهر عندما تتحول سلامة الآخر إلى جزء من سلامتي، وعندما يصبح أمن الإقليم مصلحة لبغداد، وأمن بغداد مصلحة للإقليم، وأمن البصرة والأنبار ونينوى وكركوك مصلحة مشتركة لكل العراقيين.
ويبرز البعد السياسي للأمن بوصفه عاملاً حاسماً في هذا السياق. فالخلافات السياسية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، مهما بلغت درجة تعقيدها، ينبغي ألا تتحول إلى فجوات في المنظومة الأمنية أو إلى سبب لإضعاف التنسيق الوطني. إن الدول الناضجة تفصل بين الخلاف السياسي المشروع وبين المصالح السيادية التي لا يجوز إخضاعها للمساومة. قد تختلف الأطراف حول الموازنة أو إدارة الموارد أو الصلاحيات أو الإجراءات التنفيذية، لكن حماية الحدود ومواجهة الإرهاب ومنع الاعتداءات الخارجية وصيانة أرواح المواطنين تظل فوق الخلافات اليومية. وهذا الفصل بين السياسي والسيادي يرفع مناعة الدولة، ويمنع الخصوم من استثمار التباينات الداخلية، ويؤكد أن التنوع في الرؤى لا يعني تعدد الولاءات الأمنية أو انقسام مفهوم السيادة.
كما أن الأمن الاقتصادي يشكل جسراً واضحاً بين أمن الإقليم والأمن الوطني. فإقليم كردستان جزء فاعل من الدورة الاقتصادية العراقية، وفيه أسواق ومشروعات واستثمارات وموارد ومنافذ وحركة تجارية ترتبط بصورة مباشرة وغير مباشرة ببقية المحافظات. وأي اضطراب أمني واسع يمكن أن يرفع كلفة النقل والتأمين، ويؤثر في حركة الشركات، ويقلل من فرص العمل، ويضغط على المالية العامة، ويضعف ثقة المستثمرين بالبيئة العراقية ككل. المستثمر الخارجي لا يفصل دائماً بين المخاطر الواقعة في جزء من الدولة وبقية أجزائها، بل يبني قراره على صورة الاستقرار العام. ومن هنا يصبح تعزيز أمن الإقليم جزءاً من حماية السمعة الاقتصادية للعراق ومن بناء بيئة وطنية جاذبة لرأس المال والإعمار والتنمية.
ولا يقل أمن الطاقة أهمية عن ذلك، فالعراق دولة ترتبط مواردها ومصالحها الاقتصادية بدرجة كبيرة بقطاع الطاقة وبشبكات النقل والتصدير والمنشآت الحيوية. وحماية هذه البنى، أينما وجدت، هي حماية لقدرة الدولة على تمويل خدماتها ومؤسساتها وتنميتها. وإذا تعرضت منشآت أو مسارات للطاقة في الإقليم إلى تهديد أو تعطيل، فإن الأثر قد يتجاوز حدود الإقليم إلى الحسابات المالية والاقتصادية الوطنية وإلى علاقات العراق الاقتصادية الخارجية. ولذلك فإن أمن الطاقة ينبغي أن يدار ضمن تصور وطني متكامل يربط بين الحماية المادية للمنشآت والأمن السيبراني والتنسيق الاستخباري والدبلوماسية الوقائية، ويمنع تحويل الموارد الاقتصادية إلى نقاط ضعف يمكن استخدامها للضغط على الدولة أو التأثير في قرارها السيادي.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن استقرار الإقليم يمثل عنصراً مهماً في التوازن المجتمعي العراقي. فقد شهد العراق خلال العقود الماضية موجات من النزوح والهجرة الداخلية بسبب الحروب والإرهاب والاضطرابات، وكان الإقليم في مراحل متعددة مساحة لاستقبال أعداد كبيرة من النازحين واللاجئين، الأمر الذي يؤكد أن الأمن الإنساني بين أجزاء العراق متبادل بطبيعته. عندما تضطرب محافظة ما تنتقل الآثار البشرية والاجتماعية إلى محافظات أخرى، وحين تستقر منطقة ما فإنها قد تتحول إلى سند إنساني للمناطق المتضررة. هذه التجربة تفرض تطوير مفهوم للأمن يقوم على حماية الإنسان قبل المكان، وعلى النظر إلى النازح أو المتضرر بوصفه مواطناً ينبغي أن تتكامل مؤسسات الدولة في حمايته، لا بوصفه عبئاً يخص الجهة التي وصل إليها.
ويضاف إلى ذلك البعد النفسي والرمزي للأمن الوطني. فشعور مواطني الإقليم بأن الدولة الاتحادية تتعامل مع أمنهم بوصفه جزءاً أصيلاً من أمن العراق يعزز الثقة بالدولة وبالمؤسسات الاتحادية، مثلما يعزز شعور مواطني بقية المحافظات بأن الإقليم يقف معهم في مواجهة الأخطار الثقة بوحدة المصير. والثقة ليست مفهوماً معنوياً مجرداً؛ إنها مورد ستراتيجي للدولة. فكلما ارتفعت الثقة بين المواطن والمؤسسة، وبين المركز والإقليم، ازدادت قدرة الدولة على إدارة الأزمات وتقليل الشائعات ومنع خطاب الكراهية وإغلاق المساحات التي تحاول الجهات المعادية استغلالها لإثارة الانقسام. وعلى العكس، فإن الشك المتبادل يحول كل حادث أمني إلى مادة للاستقطاب، ويجعل إدارة الأزمة أكثر تعقيداً وكلفة.
وفي البيئة الإقليمية المعقدة التي يعيش فيها العراق، يصبح احترام السيادة مبدأ لا غنى عنه لبناء الاستقرار. فالعراق يرتبط بعلاقات ومصالح متشابكة مع دول الجوار، ومن الطبيعي أن توجد ملفات أمنية وحدودية واقتصادية تحتاج إلى حوار وتفاهمات مستمرة. غير أن إدارة هذه الملفات ينبغي أن تنطلق من قاعدة واضحة هي أن الأراضي العراقية، بما فيها أراضي إقليم كردستان، تخضع للسيادة العراقية، وأن معالجة المخاوف الأمنية المشروعة للدول لا تكون عبر تكريس انتهاك السيادة أو نقل الصراعات إلى الداخل العراقي، بل من خلال القنوات الرسمية والتنسيق الأمني والدبلوماسي والاتفاقات القانونية التي تحفظ مصالح جميع الأطراف. قوة العراق في هذا المجال لا تأتي من التصعيد غير المحسوب، وإنما من وحدة موقفه الداخلي وقدرته على التفاوض من موقع الدولة المتماسكة.
ومن هنا تتضح العلاقة الوثيقة بين الوحدة الداخلية والقدرة على حماية السيادة. فحين تختلف المؤسسات العراقية في توصيف التهديد أو في طريقة التعامل معه، تتراجع فاعلية الرسالة الوطنية الموجهة إلى الخارج. أما حين تتفق الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والقوى السياسية الأساسية على أن أمن أي جزء من العراق خط أحمر وطني، فإن هذا الاتفاق بحد ذاته يتحول إلى عنصر ردع. فالردع لا يقوم على القوة العسكرية وحدها، بل يقوم كذلك على وضوح الإرادة السياسية، وعلى قدرة الدولة على إظهار أنها ستتعامل مع الاعتداء باعتباره قضية وطنية لا حادثاً محلياً يمكن احتواؤه بعيداً عن المركز. وهذه الوحدة في الموقف لا تلغي التعدد السياسي، وإنما تمنح التعدد سقفاً وطنياً يحميه من التحول إلى انقسام ستراتيجي.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن تتطور العلاقة الأمنية بين بغداد وأربيل من منطق التنسيق عند وقوع الأزمة إلى منطق الشراكة الوقائية الدائمة. فالاستجابة المتأخرة للتهديدات، مهما كانت فعالة، تبقى أعلى كلفة من بناء أنظمة إنذار مبكر تمنع الخطر أو تحد من أثره. ويمكن أن تقوم الشراكة الوقائية على تبادل المعلومات الاستخبارية بصورة مؤسسية، وتطوير آليات اتصال سريع، وإجراء تقديرات مشتركة للمخاطر، وتنسيق حماية الحدود، ومعالجة الفراغات الأمنية، ووضع خطط لحماية المنشآت الحيوية، والتدريب المشترك في المجالات التي تتطلب تكاملاً فنياً. المهم في ذلك أن تنتقل هذه الآليات من الارتباط بالعلاقات الشخصية أو الظرف السياسي إلى قواعد مؤسساتية ثابتة تستمر مهما تغيرت الحكومات والقيادات.
كما ينبغي ألا يقتصر مفهوم الأمن المشترك على الجانب العسكري. فالهجمات السيبرانية مثلاً قد تستهدف مؤسسة مالية أو حكومية أو خدمية في الإقليم، لكنها تستطيع عبر الترابط الرقمي أن تؤثر في أنظمة ومصالح وطنية أخرى. والأمر نفسه ينطبق على الجرائم المنظمة وغسل الأموال والاتجار بالبشر والمخدرات وتهريب الآثار والفساد العابر للحدود الإدارية. هذه التهديدات تحتاج إلى قواعد بيانات مشتركة وتعاون قضائي وأمني وتنسيق تقني، لأنها تستفيد تحديداً من اختلاف الإجراءات ومن بطء تبادل المعلومات. وكل ثغرة إدارية غير معالجة يمكن أن تتحول إلى ممر تستخدمه شبكات الجريمة للإضرار بالاقتصاد والمجتمع والأمن في العراق بأسره.
ويفرض التغير المناخي بدوره توسيع مفهوم الأمن الوطني المشترك. فشح المياه والجفاف والتصحر والحرائق والفيضانات لا تعترف بالحدود بين الإقليم والمحافظات الأخرى، وقد تتحول آثارها إلى ضغوط اقتصادية وسكانية واجتماعية تخلق بيئات جديدة للتوتر. إن إدارة المياه وحماية الغابات والاستجابة للكوارث والدفاع المدني والأمن الغذائي ملفات أمنية بقدر ما هي ملفات خدمية وبيئية. وعندما تتعاون المؤسسات الاتحادية والإقليمية في هذه المجالات فإنها لا تعالج مشكلة فنية فحسب، بل تبني قدرة وطنية على الصمود أمام أزمات المستقبل. الأمن الحقيقي ليس مجرد منع العنف، وإنما قدرة المجتمع والدولة على الاستمرار والعمل وحماية الحياة الطبيعية والاقتصادية عند وقوع الأزمات.
إن مفهوم «الأمن الوطني الشامل» يقتضي كذلك إدماج التنمية في المعادلة الأمنية. فالمنطقة التي تتمتع بفرص عمل وتعليم جيد وخدمات وبنية تحتية وثقة بالمؤسسات تكون أكثر قدرة على مقاومة التطرف والجريمة والاستقطاب. ومن ثم فإن استقرار الإقليم وتنميته لا ينبغي النظر إليهما بوصفهما مكسباً محلياً منفصلاً، بل كجزء من رصيد العراق التنموي. وبالمقابل فإن تنمية المحافظات المحرومة وتحقيق التوازن في توزيع الفرص يمثلان مصلحة للإقليم أيضاً، لأن الاقتصاد الوطني المتوازن يوسع السوق ويخفض الضغوط الاجتماعية ويزيد فرص التكامل. وبهذا المعنى تصبح التنمية شكلاً من أشكال الوقاية الأمنية بعيدة المدى، ويصبح الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية استثماراً في الاستقرار والسيادة.
ويظل ملف المناطق المتنازع عليها أو ذات الترتيبات الإدارية والأمنية الحساسة اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على تحويل الاختلاف إلى تعاون. فهذه المناطق لا ينبغي أن تبقى فراغاً بين سلطتين أو مجالاً لتنافس أمني يتيح للجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة الحركة. المطلوب هو بناء ترتيبات عملية تضع أمن السكان فوق الحسابات السياسية، وتضمن التنسيق بين المؤسسات المختصة، وتمنع استخدام الملف الأمني أداة لتغيير الوقائع أو فرض الإرادات. إن المواطن الذي يعيش في منطقة حساسة لا ينبغي أن يدفع ثمن الخلافات الدستورية والسياسية، بل يجب أن يكون أمنه هو نقطة الالتقاء التي تنطلق منها الأطراف نحو حلول أكثر استقراراً وعدالة.
ومن الأهمية بمكان أن ترافق الشراكة الأمنية ثقافة إعلامية مسؤولة. فالأزمات الأمنية غالباً ما تكون بيئة خصبة للمعلومات المضللة وللغة التحريض وللمبالغات التي تحول الحادث إلى صراع هوياتي. وإذا وقع اعتداء في الإقليم ثم جرى تقديمه في الخطاب العام على أنه شأن يخص فئة بعينها، فإن الضرر لا يقف عند حدود سوء التوصيف، بل يمتد إلى إضعاف التضامن الوطني. الإعلام المسؤول ينبغي أن يرسخ حقيقة أن الدم العراقي واحد وأن السيادة واحدة، وأن يميز بين النقد السياسي المشروع وبين الخطاب الذي يبرر الاعتداء أو يقلل من خطورته بسبب موقعه الجغرافي أو هوية ضحاياه. فبناء الوعي الأمني الوطني جزء من بناء القدرة على الردع والمواجهة.
كما أن القوى السياسية تتحمل مسؤولية خاصة في منع تحويل الأمن إلى مادة للمزايدة. الأمن الوطني لا يربح حين يستخدم كل طرف الحوادث لإدانة خصومه، بل يربح حين تكون هناك مساحة مشتركة تتفق فيها القوى على الأولويات العليا. ومن أهم هذه الأولويات حماية المدنيين، وصيانة السيادة، ومنع الإرهاب، وضمان احتكار الدولة للقرار السيادي، وتطوير التنسيق بين المؤسسات الدستورية. وعندما تتفق القوى على هذه المبادئ يصبح الاختلاف حول التفاصيل قابلاً للإدارة، أما إذا دخلت الأسس الأمنية نفسها في دائرة الصراع السياسي فإن الدولة تخسر قدرتها على صياغة سياسة مستقرة طويلة الأمد.
وفي السياق نفسه، تمثل الدبلوماسية العراقية أداة مركزية في حماية أمن الإقليم والأمن الوطني. فالكثير من التحديات التي تواجه العراق ذات امتدادات خارج الحدود، ولا يمكن التعامل معها بالقوة الأمنية وحدها. تحتاج الدولة إلى سياسة خارجية متوازنة تشرح مواقفها بوضوح، وتستخدم القانون الدولي والحوار الثنائي والمتعدد الأطراف، وتربط مصالح الدول الأخرى باستقرار العراق واحترام سيادته. وكلما كان الموقف الداخلي موحداً، ازدادت قدرة الدبلوماسية على الدفاع عن المصالح الوطنية. أما التناقض بين الرسائل الصادرة من بغداد وأربيل في القضايا السيادية الكبرى فيضعف الموقف التفاوضي ويمنح الأطراف الخارجية فرصة للتعامل مع العراق كساحات منفصلة بدلاً من التعامل معه كدولة ذات قرار متماسك.
ويجب النظر إلى حماية أمن الإقليم أيضاً من زاوية حماية التعددية العراقية. فإقليم كردستان ليس مجرد مساحة جغرافية، بل جزء من التجربة السياسية والاجتماعية للعراق بما تحمله من تنوع قومي وديني والثقافي. وحماية هذه المساحة من العنف والتهديدات تعني حماية نموذج العيش المشترك وإبقاء التنوع مصدر قوة لا مدخلاً للصراع. إن الدولة الوطنية الحديثة لا تقاس بقدرتها على صهر الاختلافات، بل بقدرتها على تنظيمها داخل إطار دستوري يحمي الجميع ويجعلهم شركاء في السيادة والمصلحة. ومن هنا فإن الدفاع عن أمن الإقليم هو في أحد أبعاده دفاع عن فكرة العراق المتعدد والمتماسك في الوقت نفسه.
وتتطلب هذه الرؤية إعادة بناء مفهوم «المركز» نفسه. فالمركز في الدولة الاتحادية لا ينبغي أن يفهم بوصفه جهة تحتكر الإحساس بالمصلحة الوطنية، كما أن الإقليم لا ينبغي أن ينظر إلى ذاته بوصفه خارج مسؤولية المجال الوطني. المصلحة الوطنية تتشكل من تفاعل المصالح الدستورية المشروعة لجميع أجزاء الدولة. وحين ينجح النظام الاتحادي في إنتاج هذا التفاعل، يتحول التنوع الإداري إلى مصدر مرونة وقوة؛ إذ تستطيع السلطات المحلية والإقليمية الاستجابة السريعة لاحتياجات مجتمعاتها، بينما توفر المؤسسات الاتحادية المظلة السيادية والموارد والقدرات المشتركة. أما إذا تحولت العلاقة إلى تنازع دائم على الشرعية والصلاحيات، فإن الثغرات الناتجة تصبح فرصة للتهديدات الداخلية والخارجية.
إن أحد أهم الدروس الستراتيجية هو أن الأمن لا يبنى بردود الأفعال فقط، بل ببناء المؤسسات. ولهذا فإن تحويل مبدأ وحدة الأمن العراقي إلى واقع يحتاج إلى أطر دائمة للاتصال واتخاذ القرار وإدارة الأزمات. ويمكن تصور مجالس أو لجان تنسيق متخصصة ذات صلاحيات واضحة، تعمل وفق بروتوكولات محددة لتبادل المعلومات وتقييم المخاطر والاستجابة للحوادث، مع احترام الاختصاصات الدستورية لكل جهة. فالمؤسسة تقلل أثر التوتر السياسي، وتحفظ الذاكرة والخبرة، وتمنع أن تبدأ العلاقات الأمنية من الصفر بعد كل تغيير حكومي. كما أن وضوح الإجراءات يرفع سرعة الاستجابة ويقلل فرص سوء الفهم أو تضارب الأوامر في اللحظات الحرجة.
ولا بد في الوقت ذاته من تعزيز البعد القانوني في إدارة التهديدات. فالدولة التي تدافع عن سيادتها تحتاج إلى توثيق الانتهاكات والتحقيق فيها وبناء ملفات قانونية دقيقة واستخدام القنوات الوطنية والدولية المناسبة. هذا النهج يمنح الموقف العراقي قوة إضافية، لأنه ينقل القضية من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى الحقوق والالتزامات والقواعد المعترف بها. كما أنه يرسخ مبدأ أن حماية الأمن لا تعني التخلي عن القانون، بل إن القانون نفسه أداة من أدوات الأمن والسيادة. وكلما ارتبطت الإجراءات الأمنية بإطار قانوني واضح، ازدادت شرعيتها وثقة المواطنين بها، وانخفضت احتمالات الاستغلال السياسي أو التجاوز على الحقوق.
وفي المقابل، لا يمكن بناء أمن وطني متماسك من دون معالجة أسباب انعدام الثقة المتراكمة بين الأطراف. فبعض الأزمات بين بغداد وأربيل ليست أمنية في أصلها، لكنها قد تنتج آثاراً أمنية إذا استمرت من دون حلول. الخلافات المالية والإدارية والسياسية حين تطول قد تضعف التعاون المؤسسي وتخلق بيئة من الشك. لذلك فإن الحوار المنتظم والشفاف حول الملفات الخلافية هو جزء غير مباشر من السياسة الأمنية. الاتفاق المستدام على إدارة الموارد والحقوق والالتزامات والصلاحيات يحرر المؤسسات الأمنية من ضغط النزاع السياسي، ويجعلها أكثر قدرة على التركيز على التهديدات الحقيقية التي تستهدف الجميع.
كما أن مفهوم الشراكة ينبغي أن يمتد إلى المجتمع المدني والجامعات ومراكز الدراسات والقطاع الخاص. فالأمن الوطني الحديث لم يعد مهمة الأجهزة الأمنية وحدها. الجامعات تستطيع إنتاج دراسات للمخاطر، ومراكز البحوث قادرة على بناء سيناريوهات واستشراف التهديدات، والقطاع الخاص شريك في حماية البنى الحيوية والأمن السيبراني، ومنظمات المجتمع المدني تؤدي دوراً في تعزيز التماسك ومواجهة خطاب الكراهية. وإذا جرى ربط هذه القدرات ضمن رؤية وطنية، فإن العراق سينتقل من أمن الدولة بمعناه الضيق إلى أمن المجتمع بمعناه الواسع، وهو النموذج الأكثر قدرة على مواجهة التهديدات المركبة في القرن الحادي والعشرين.
ومن المنظور الستراتيجي، فإن قوة العراق لا تقاس فقط بحجم قدراته المادية، بل بقدرته على منع تحويل تنوعه إلى نقاط ضعف. الخصوم عادة يبحثون عن الشقوق: خلاف بين المركز والإقليم، توتر بين المكونات، فجوة بين المؤسسة والمواطن، أو تنافس بين الأجهزة. وكلما ضاقت هذه الشقوق تراجعت قدرة أي جهة على التأثير في الداخل العراقي. ولذلك فإن اعتبار أمن الإقليم جزءاً من الأمن الوطني هو في ذاته سياسة لإغلاق إحدى أهم بوابات الاختراق؛ لأنه يبعث برسالة مفادها أن التعدد العراقي لا يعني قابلية العراق للتجزئة الأمنية، وأن الاختلافات الداخلية لا تمنح شرعية لأي اعتداء أو تدخل.
وفي هذا المعنى يصبح التضامن الأمني صورة من صور الردع الوطني. فعندما يدرك أي طرف أن استهداف جزء من العراق سيستدعي موقفاً وطنياً موحداً، ترتفع كلفة المغامرة. أما إذا اعتقد أن الحادث سيؤدي إلى انقسام داخلي حول الضحية أو المكان أو الجهة المسؤولة، فقد يرى في الانقسام فرصة لتوسيع الضغط. ولهذا فإن الموقف السياسي والإعلامي والشعبي المتماسك بعد أي اعتداء لا يقل أهمية عن الإجراءات الأمنية الميدانية. إن الردع يبدأ من وحدة تعريف الخطر، ثم ينتقل إلى وحدة القرار، ثم إلى القدرة على استخدام الأدوات المناسبة لمنع تكراره.
ويترتب على ذلك أن الخطاب الوطني المطلوب يجب أن يتجنب ثنائية «نحن وهم» داخل الدولة الواحدة. فلا أمن للإقليم من دون عراق مستقر، ولا أمن للعراق من دون إقليم مستقر. هذه ليست معادلة عاطفية، بل حقيقة تفرضها الجغرافيا والاقتصاد والدستور والتاريخ والتحديات المشتركة. إن محاولة أي طرف بناء أمن منفرد ومستقل عن محيطه الوطني ستصطدم بحدود الواقع؛ فالإرهاب والجريمة والاقتصاد والمياه والطاقة والحدود والعلاقات الخارجية كلها ملفات متشابكة. الخيار العقلاني إذن هو الأمن التعاوني الذي يحول الاعتماد المتبادل من مصدر هشاشة إلى مصدر قوة.
ومن المهم أن يتحول هذا المبدأ إلى ثقافة تربوية وسياسية طويلة الأمد. فالأجيال الجديدة تحتاج إلى فهم العراق بوصفه فضاءً مشتركاً تتنوع داخله الهويات من دون أن تتعارض مع المواطنة. حين يتعلم الطالب في بغداد أن أمن أربيل يخصه، ويتعلم الطالب في أربيل أن أمن البصرة أو الأنبار يخصه، فإن الدولة تكون قد بنت أحد أعمق خطوط دفاعها: الوعي المشترك. الجيوش تحمي الحدود، لكن الوعي يحمي معنى الوطن نفسه. وإذا انهار هذا المعنى تصبح كل القدرات المادية أقل فاعلية، أما إذا ترسخ فإن الأزمات مهما كانت صعبة تبقى قابلة للاحتواء.
إن الأمن الوطني في جوهره عقد ثقة ومسؤولية متبادلة. الدولة تلتزم بحماية جميع مواطنيها وأقاليمها ومحافظاتها، والمجتمع يلتزم بدعم المؤسسات الشرعية واحترام القانون وعدم توفير بيئة للتهديدات. والحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم تتحملان مسؤولية مضاعفة في تحويل هذا العقد إلى ممارسة يومية. فكل نجاح في التنسيق يعزز الثقة، وكل تأخير أو تناقض يضعفها. ومن هنا ينبغي تقييم السياسات الأمنية ليس فقط بعدد العمليات الناجحة، بل بقدرتها على إنتاج شعور مستدام لدى المواطن بأن مؤسسات الدولة تعمل معاً من أجله.
وفي ضوء ذلك كله، يمكن القول إن مبدأ «المساس بأمن الإقليم مساس بالأمن الوطني» ينبغي أن يكون قاعدة حاكمة في التفكير الستراتيجي العراقي، لا موقفاً ظرفياً مرتبطاً بحادث محدد. فالمبدأ يعبر عن وحدة السيادة، وترابط المصالح، وتكامل الجغرافيا، واشتراك المواطنين في الحقوق والمخاطر. كما أنه يقدم أساساً عملياً لتطوير العلاقات بين بغداد وأربيل على قاعدة الشراكة بدلاً من إدارة الأزمات المتكررة. وكلما تحول هذا المبدأ إلى سياسات ومؤسسات وآليات تنسيق، أصبح العراق أكثر قدرة على حماية حدوده ومواطنيه واقتصاده وقراره المستقل.
إن المستقبل الآمن للعراق لن يصنعه طرف واحد، ولن تحميه منطقة واحدة، ولن يتحقق بتوازن هش بين مخاوف متبادلة، وإنما ببناء منظومة وطنية ترى في أمن كل جزء ضماناً لأمن الأجزاء الأخرى. فالسيادة ليست خريطة معلقة على الجدار، بل التزام فعلي بحماية كل نقطة داخل هذه الخريطة؛ والوحدة ليست إنكاراً للاختلاف، بل القدرة على تحويل الاختلاف إلى تعاون؛ والأمن ليس غياب الخطر فقط، بل امتلاك الدولة والمجتمع القدرة على الوقاية والصمود والتعافي. وعلى هذا الأساس فإن حماية إقليم كردستان، كما حماية كل محافظة عراقية، هي حماية للعراق نفسه، وأي مساس بأمن الإقليم ينبغي أن يستحضر مسؤولية الدولة كلها، لأن الوطن الذي تتجزأ استجابته للخطر تتجزأ قوته، أما الوطن الذي يتوحد عند التهديد فإنه يحول تنوعه إلى حصانة ومصيره المشترك إلى قوة ستراتيجية.
وخلاصة الرؤية أن العراق بحاجة إلى الانتقال من إدارة الأمن بوصفه مجموعة ملفات متوازية إلى إدارته بوصفه منظومة وطنية واحدة متعددة المستويات. في هذه المنظومة يكون للإقليم دوره الدستوري ومؤسساته، وللحكومة الاتحادية مسؤولياتها السيادية، لكن الطرفين يلتقيان عند حقيقة لا تحتمل التأويل: أن المواطن العراقي أينما كان، والأرض العراقية أينما امتدت، والمنشأة الوطنية أينما وجدت، كلها تقع داخل دائرة الأمن الوطني. وحين تصبح هذه الحقيقة أساساً للقرار السياسي والأمني، تتراجع فرص الاختراق وتتقدم فرص الاستقرار، ويتحول التعاون بين بغداد وأربيل من ضرورة تفرضها الأزمات إلى ثقافة دولة راسخة. عندئذ فقط يصبح شعار وحدة الأمن ترجمةً حقيقية لوحدة المصير، ويغدو الدفاع عن أمن الإقليم دفاعاً عن بغداد والبصرة والموصل والأنبار وكركوك وكل العراق، كما يصبح الدفاع عن أي جزء آخر من البلاد دفاعاً عن الإقليم ذاته. تلك هي المعادلة التي تستطيع أن تمنح العراق أمناً أكثر رسوخاً، وسيادة أكثر قوة، ودولة أكثر قدرة على مواجهة المستقبل بثقة ووحدة ومسؤولية.
1