د. جبار قادر
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، لم تكن مشكلة العراق الأساسية هي تعدد مكوناته القومية والمذهبية والدينية، فالتعدد في حد ذاته يمكن أن يكون مصدر قوة للدولة والمجتمع، وإنما كانت المشكلة في الطريقة التي جرى بها التعامل مع هذا التعدد. فبدل أن تُبنى الدولة على أساس المواطنة المتساوية، والاعتراف بحقوق جميع مكوناتها القومیة والدینیة، وتحويل هذا التنوع إلى عنصر من عناصر التآلف الوطني، اتجهت السلطات المتعاقبة إلى إدارة هذا التنوع بوصفه وسيلة سياسية لتحقيق التوازنات، وتوظيف مكوّن ضد آخر كلما اقتضت مصالح السلطة الحاکمة ذلك.
ولم تكن هذه السياسة وليدة مرحلة واحدة أو نظام بعينه، بل تمتد جذورها إلى الطريقة التي شكلت بها الدولة العراقية الحديثة في ظل الانتداب البريطاني. فقد جُمعت في إطار دولة واحدة مناطق ومجتمعات ذات تاريخ سياسي واجتماعي وقومي ومذهبي متباين، دون أن يرافق ذلك مشروع متكامل لبناء هوية جامعة. وكان هاجس السلطة، منذ البداية، هو كيفية ضبط هذه التعددية وإدارتها لمصلحتها الضیقة أكثر من كيفية بناء عقد وطني يضمن المساواة بين العراقيين.
وفي هذا السياق، أصبح المكوّن الكوردي، على وجه الخصوص، هدفا دائماً لسياسة التوازنات. فكلما طالب الكورد بحقوقهم القومية والسياسية المشروعة، جرى البحث عن مكونات يمكن الاستناد إليها لتقوية موقف بغداد في مواجهتهم. وفي مراحل معينة، جرى توظيف الانقسام العربي الكوردي، وفي مراحل أخرى الانقسام المذهبي، كما استُخدمت بعض الأقليات والمكونات المحلية في صراعات السلطة المركزية مع الكورد بطریقة مبتذلة. وهكذا تحولت مكونات المجتمع العراقي، بدلاً من أن تكون شريكة في بناء الدولة، إلى أوراق سياسية تستخدمها السلطة لتعزيز موقعها في مواجهة مكونات أخرى.
وقد اتخذت هذه السياسة شكلاً واضحاً خلال العهد الملكي، الذي قامت بنيته السياسية إلى حد كبير على نخبة عربية سنية مرتبطة بالبریطانیین وبمؤسسات الدولة والجيش والإدارة، في حين بقيت قضايا المشاركة السياسية والقومية للكورد ومكونات أخرى من دون معالجة. ولم يكن المطلوب من الدولة آنذاك بناء توازن وطني قائم على الحقوق المتساوية، بقدر ما كان المطلوب الحفاظ على تماسك السلطة المركزية وضمان ولاء القوى القادرة على حمايتها.
ومع قيام النظام الجمهوري والانقلابات العسكرية، لم تختفِ هذه الآلية، وإنما تغيرت أدواتها وشعاراتها. فالنظام الجمهوري، ثم نظام البعث، رفع شعارات القومية والوحدة والمركزية، لكنه تعامل مع القضية القومیة الكوردية، باعتبارها مشكلة أمنية وسياسية ينبغي احتواؤها و قمعها، بدلاً من التعامل معها باعتبارها قضية حقوق قومية وسياسية يمكن حلها ضمن إطار دولة متعددة القوميات إذا توفرت النیات السلیمة. وقد أدت هذه المقاربة إلى سلسلة طويلة من الصراعات والحروب، وعـملیات التهجير والتعريب والقمع وحتی عمليات الإبادة الجماعیة والتطهیر العرقي، وكان الكورد دوما في مقدمة ضحاياها.
لكن المفارقة التاريخية الكبرى أن سقوط النظام البعثي عام ٢٠٠٣ لم يؤدِّ إلى نهاية سياسة استخدام المكونات في مواجهة بعضها بعضاً، بل نقلها إلى مرحلة جديدة. فقد تبدلت موازين القوة داخل الدولة العراقية، وأصبحت القوى السياسية الشيعية القوة الأكثر تأثيراً في بغداد، في حين أصبح الكورد طرفاً مهما في السنوات الأولی من عمر النظام السياسي الجديد. حتی ذلك لم یؤدي الی إنشاء دولة المواطنة التي كان يفترض أن تكون البديل عن دولة الحزب الواحد الفاشي والقومية المتوحشة والمذهبیة القاتلة، بل استمرت، بصورة مختلفة، لعبة التوازنات بين المكونات من خلال تجنید الذیول من مختلف المکونات خدمة لمصالح الأوساط الحاکمة الجدیدة في بغداد.
وهنا تظهر مفارقة العراق المعاصر، فالقوى التي عانت تاريخياً من التهميش أصبحت، عندما وصلت إلى السلطة، تعید إنتاج نفس الآليات التي كانت ترفضها عندما كانت خارجها، فبدلاً من تجاوز منطق المكونات، أصبحت السياسة العراقية قائمة على حسابات، كيف يمكن تحقيق توازن بين الشيعة والسنة؟ وكيف يمكن استخدام العرب السنة في مواجهة المطالب الكوردية؟ وكيف يمكن الاستناد إلى بعض الأقليات، الترکمان علی وجە التحدید، أو القوى المحلية لتحسين موقف بغداد في الملفات المتنازع عليها مع إقليم كوردستان؟ وبذلك لم يعد المبدأ هو، ماذا يقول الدستور؟ وما هي حقوق المواطن؟ وما الذي يحقق مصلحة العراق؟ بل أصبح السؤال في كثير من الأحيان هو أي مكوّن يمكن الاستناد إليه لتحقيق توازن سياسي في مواجهة المكوّن الآخر؟ هذه العقلية هي التي تجعل العلاقة بين بغداد وأربيل عرضة للتوتر المستمر.
فبدلاً من معالجة القضايا العالقة، وفي مقدمتها قضایا المناطق المتنازع عليها، والموارد، والصلاحيات، والتمثيل السياسي، وفق الدستور ومبدأ الشراكة، يجري التعامل معها أحياناً باعتبارها معركة نفوذ بين مكون حاکم وآخرین یتطلعون الی المشارکة الحقیقیة ولایرضون بالفتات. وفي مثل هذه البيئة يمكن أن تتحول أوساط عربية سنية إلى ورقة في مواجهة الكورد، كما يمكن أن تتحول منظمات ترکمانیة مرتبطة بترکیا إلى ورقة أخرى، لا لأنها تمثل موقفاً وطنياً مستقلاً بالضرورة، وإنما لأن توظيفها سياسياً قد يمنح بغداد أوراقاً إضافية في صراعها ضد الکورد.
غير أن أخطر ما في هذه السياسة أنها تفترض أن قوة الدولة تتحقق من خلال إضعاف أحد مكوناتها. وهذه معادلة خاطئة تاريخياً وسياسياً، فالدولة لا تصبح أقوى عندما يشعر جزء من مواطنيها بأن حقوقه مرتبطة بموازين القوة بين المكونات، ولا تصبح أكثر استقراراً عندما تستخدم مكوناً ضد آخر. وعلى العكس، فإن مثل هذه السياسة تنتج شعوراً دائماً بعدم الثقة، وتدفع كل جماعة إلى البحث عن وسائل حماية خاصة بها، وتعمق الانقسامات القومية والمذهبية، وتحوّل الدولة نفسها إلى طرف في الصراع بدلاً من أن تكون حكماً بين مواطنيها.
لقد كان بإمكان العراق، منذ تأسيسه، أن يسلك طريقاً مختلفاً یتجسد في أن يعترف بحقيقة تعدده القومي والمذهبي والديني، وأن يجعل من المواطنة أساساً للعلاقة بين الدولة والمجتمع. كان يمكن أن يكون العربي والكوردي والتركماني والمسيحي وسائر المكونات مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، من دون أن تضطر الدولة إلى البحث عن مكوّن تستخدمه ضد مكوّن آخر. وكان يمكن تحويل التنوع العراقي من مصدر للصراع إلى مصدر للتآلف والتكامل.
لكن الذي حدث، في جانب كبير منه، كان العكس، فكلما عجزت الدولة عن بناء هوية جامعة، لجأت إلى الهويات الفرعية لإعادة إنتاج سلطتها. وكلما ظهرت مشكلة سياسية، جرى البحث عن توازن بين المكونات بدلاً من البحث عن حل يقوم على الحقوق والقانون. وهكذا أصبحت الانقسامات التي كان يفترض بالدولة أن تتجاوزها جزءاً من آليات عملها.
ولا يعني ذلك أن المسؤولية تقع على مكوّن واحد أو على نظام واحد، فهذه الظاهرة أعمق من أن تختزل في الطائفة أو القومية التي تمسك بالسلطة في مرحلة معينة. فقد مارست الأنظمة العراقية المتعاقبة، بدرجات وأساليب مختلفة، سياسة إدارة المجتمع من خلال الانقسامات الموجودة فيه. وما تغير بعد عام ٢٠٠٣ هو هوية القوى المهيمنة وأدواتها، أكثر مما تغير المنطق السياسي نفسه.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من المأساة العراقية، العراق لم يدمره تعدد مكوناته، بل دمرته إلى حد كبير الطريقة التي تعاملت بها الدولة مع هذا التعدد. فالتنوع الذي كان يمكن أن يكون أساساً لدولة غنية ومتعددة الثقافات، تحول إلى مادة للصراع بسبب غياب عقد وطني حقيقي.
إن العراق يحتاج اليوم إلى تجاوز هذه القاعدة القديمة القئـ علی: “مكوّن في مواجهة مكوّن”. فلا العرب السنة يجب أن يكونوا أداة لمواجهة الكورد، ولا الكورد أداة لمواجهة العرب، ولا الأقليات أدوات لتحقيق توازنات السلطة، ولا الشيعة أو السنة أو أي مكوّن آخر ينبغي أن يُختزل في دوره داخل لعبة المحاصصة والصراع على النفوذ. المخرج الحقيقي لا يكمن في تغيير المكوّن الذي يمسك بمركز القوة، بل في تغيير فلسفة الدولة نفسها. دولة لا تسأل مواطنيها عن قوميتهم ومذهبهم قبل أن تمنحهم حقوقهم، ولا تستخدم مكوّناً ضد آخر، ولا تجعل من الاختلاف القومي أو المذهبي سبباً للتمييز السياسي. دولة يكون فيها الدستور مرجعاً للجميع، والمواطنة أساساً للعلاقة بين الفرد والدولة، والتعددية مصدر إثراء لا وسيلة للسيطرة.
لقد أثبت تاريخ العراق أن سياسة التوازنات القائمة على استغلال الانقسامات قد تمنح السلطة مكاسب قصيرة الأمد، لكنها تنتج على المدى الطويل مجتمعاً أكثر انقساماً ودولة أكثر هشاشة وتفتتا. ولذلك فإن استمرار هذه السياسة، مهما تغيرت الشعارات والوجوه والأنظمة، يعني استمرار الأزمة نفسها.
إن بناء العراق لا يبدأ من السؤال: كيف نوازن بين الكورد والعرب، أو بين السنة والشيعة، أو بين الأغلبية والأقليات؟ بل يبدأ من سؤال مختلف تماما وهو، كيف نبني دولة يكون فيها الكوردي والعربي، والسني والشيعي، والتركماني والمسيحي، وغيرهم، متساوين في المواطنة والحقوق والكرامة؟
عندها فقط يمكن أن يتحول العراق من دولة تدير مكوناتها بعضها ضد بعض إلى دولة تجمع مكوناتها حول مشروع مشترك. أما الاستمرار في إدارة العراق بمنطق التوازنات والصراعات بين المكونات، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج التاريخ نفسه، وبقاء الدولة أسيرة الانقسام الذي كان ينبغي لها أن تتجاوزه منذ تأسيسها.