التجارة والسياسة

عصمت شاهين دوسكي

● السِّيَاسَةُ هِيَ الرَّأْسُ الَّذِي يُفَكِّرُ وَيُخَطِّطُ وَيَحْمِي، وَالتِّجَارَةُ هِيَ الَّتِي تَعْمَلُ، وَتُوَفِّرُ الرِّزْقَ، وَتَدْعَمُ الِاقْتِصَادَ.
● التِّجَارَةُ بِلَا سِيَاسَةٍ عَادِلَةٍ تُنْتِجُ شَعْبًا مَظْلُومًا، وَالسِّيَاسَةُ بِلَا اقْتِصَادٍ قَوِيٍّ تُنْتِجُ دَوْلَةً فَقِيرَةً.

طرأت أفكار في الزمن الحاضر، في ظل تقلبات وتناقضات الأحداث التي تهم الدولة والفرد، حول علاقة التجارة والسياسة معًا في بناء الإنسان والعمران. وقبل كل شيء، يجب معرفة معاني التجارة والسياسة، ليكون الفرد على بيّنة من جوهرهما ووجودهما في الساحة المخصصة لهما.

السياسة هي فن إداري مهم في إدارة شؤون الناس وتطويرها وتقدّمها، وازدهار البلد. وبشكل مبسّط، فإنها تتعلق بكيفية الحكم بصورة سليمة، وتوزيع السلطة وثروة البلد، واتخاذ القرارات التي تجسّد الطموح والحلم بمستقبل أفضل، وتنظيم حياة الناس وإدارتها بصورة تليق بمكانة الدولة والمجتمع، من خلال القوانين المسخّرة لخدمة الجميع، وبضمنها الأمان والعدل.

أما التجارة، فقد تعلّمنا في المراحل الدراسية أنها نشاط يقوم على تبادل السلع مقابل المال، أو مقابل سلع أخرى، وجوهرها تحقيق الربح وإشباع الحاجات الفكرية والنفسية والاقتصادية.

يا ترى، ما الفرق بين التجارة والسياسة؟

التجارة تعني تحقيق الأرباح وإشباع الحاجات الفردية، وتتأثر بوجود المال، والعرض والطلب، والمنافسة، والسوق، والشركات، والمستهلكين، ومدى الجودة والربح.

أما السياسة، فتعني تحقيق المصلحة العامة، وإقرار السلطة الحكيمة، وترسيخ سلطة القانون، وتنظيم العلاقات الدولية، وترسيخ العدل والمصلحة العامة، والأمن واستقرار البلد.

والنتيجة: لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر؛ فالسياسة تضع قوانين التجارة، والتجارة تموّل اقتصاد البلد، لتكون الدولة قوية في نظر الدول الأخرى، ويُحسب لها ألف حساب.

ويطرأ سؤال: هل ينفع أن تكون الدولة تجارية وتترك مصالح المجتمع، خاصة إذا كان المجتمع غارقًا في الأزمات؟

والجواب الطبيعي: لا ينفع.

فالدولة، إن غرقت في “التجارة” الفردية والفئوية وتركت خدمات المجتمع، فمن المؤكد أنها ستخسر الاثنين: الفرد والوطن.

لماذا لا ينفع الدولة أن تكون تاجرة؟

لأن وظيفة الدولة ليست كوظيفة التاجر؛ فالتاجر يبيع للغني ويترك الفقير، وهذا لا ينفع لبناء دولة قوية من الداخل أولًا. فوظيفة الدولة هي تحقيق العدل والأمن، وتسخير الخدمات وتوفيرها للمجتمع، بحيث تخدم الغني والفقير، والقوي والضعيف. ولذلك فإن سياسة العدل مهمة جدًا.

إذا وضعت الدولة نفسها مكان شركة ربحية، فمثلًا، إذا قامت ببناء مستشفى ولم يحقق المستشفى أرباحًا، فهل تغلقه؟ وهكذا بالنسبة إلى باقي المشاريع الربحية. هنا تصبح الدولة تاجرة ربحية لا تدعم الخدمات الإنسانية.

وفي المطاف الأخير، يثقل كاهل “الإنسان” المعتمد عليه في كل الدول المتقدمة، فيصاب بالجوع والمرض والفقر والجهل.

التجارة بلا سياسة قوية وحكيمة تخلق الفوضى؛ فاقتصاد الدولة يحتاج إلى دولة قوية تحميه. فلو كانت الدولة همّها الأول التجارة والربح ونسيت دورها الأهم، ستظهر، بصورة أو بأخرى، مافيات واحتكارات وتجار أزمات، ويصبح المجتمع بالنسبة إليهم سلعة استهلاكية مغلوبًا على أمرها، وهذا خطأ لا يُغتفر.

التاجر، وقت الأزمات، إذا لم يربح، يهاجر ويخرج من البلد. أما الدولة، ففي الأزمات “تبقى، وتجد الحلول، وتدفع، وتعالج” حتى لو خسرت، فإنها ستخسر الناس إذا لم تتدخل وتجد الحلول المناسبة.

لو سأل سائل: هل يحق للدولة أن تتاجر أم لا تتاجر أبدًا؟

الدولة تضع القوانين، وتحمي المنافسة، وتوفر مجالًا سليمًا للشعب لكي يتاجر. وهدفها الأول هو “المصلحة العامة والاقتصاد القوي للبلد”. تحمي الفقير، وتستثمر مع القطاع الخاص، وتوفر الأشياء التي لا يتمكن القطاع الخاص من توفيرها، مثل الطرق والتعليم والصحة والجيش. هذه هي الدولة التي تنظّم التجارة.

أما الدولة التاجرة، فتملك كل شيء، وتبيع وتشتري كما تريد، وتنافس الشعب في رزقه، ويكون همّها الربح فقط، بعيدًا عن الفرد والمجتمع وبناء دولة قوية.

وممكن القول: إن السياسة بلا اقتصاد قوي تنتج دولة فقيرة، والتجارة بلا سياسة عادلة تنتج شعبًا مظلومًا. فلا بد أن تكون السياسة هي الرأس الذي يفكر ويخطط ويدبّر ويحمي ويحافظ ويدعم، والتجارة هي التي تعمل وتشتغل، وتوفر الرزق، وتدعم الاقتصاد. وإذا كان العكس، فإن كليهما يخسر: الأرض والمجتمع. وفي التاريخ أمثلة كثيرة.

الدولة التي تركت مصالح الشعب وفشلت، ومنها “فنزويلا”، سيطرت وتحكمت في النفط، ولعبت بثروات البلد، وباعت وصادرت، واهتمت بالربح المقيّد، وتركت وأهملت الزراعة والصناعة والخدمات.

ماذا كانت المحصلة النهائية؟

“تضخم – طغيان – حرمان – جوع – فقر – جهل – فساد – وهجرة 8 ملايين شخص.”

الدولة خسرت، وأفراد المجتمع جاعوا.
كذلك الاتحاد السوفيتي، قبل الانهيار، كان هو التاجر الوحيد؛ وكانت النتيجة مصانع تعمل بلا جودة، وبطالة مقنّعة، وطوابير على الخبز، إلى أن انهار عام 1991م.

بعض الدول في العالم دخلت وأُرغمت على خوض حروب، لكنها بدأت تموّل الميليشيات، وتوفر مختلف الأسلحة، وتبذّر أموالها على تجار السلاح، وتترك في الوقت نفسه الكهرباء والماء والتعليم. فيظهر شعب يعيش في أزمات، وينهار الاقتصاد، حتى لو توفر النفط.

أما الدول التي نظمت التجارة ولم تتاجر، فقد نجحت في بناء وجودها وقوتها.

ومنها، مثلًا، “سنغافورة”، علمًا أنها لا تملك النفط ولا الموارد الطبيعية الكبيرة، لكنها أصدرت قوانين مهمة وعملت بها، ووفرت قضاءً نزيهًا، وموانئ، وتعليمًا، وبنية تحتية، وتركت التجارة للشركات ضمن نظام سليم. وغدت من دولة فقيرة عام 1965م إلى واحدة من أغنى دول العالم، حتى أصبح دخل الفرد فيها نحو 80 ألف دولار.

وكذلك “ألمانيا”؛ فهي لا تملك شركات السيارات، مثل مرسيدس وبي إم دبليو وفولكس فاغن، وإنما وفرت الطرق والبحوث العلمية وقوانين العمل التي تسهم في الارتقاء بالبلد، إلى أن أصبحت أكبر دولة صناعية مصدّرة في أوروبا.

أليس هناك دولة عربية ناجحة ومتقدمة؟

نعم، ومنها “الإمارات”، التي اهتمت بالبنية التحتية ووفرتها، وبنت المطارات والمناطق التجارية الحرة، ولم تنافس التجار، بل تركت القطاع الخاص يعمل حسب الضوابط والتنظيم، وسهّلت الأمور، حتى غدت مركزًا تجاريًا عالميًا.

ودول أخرى نجحت، مثل السويد والدنمارك، باقتصاد قوي وسوق تجارية حرة، ودولة توفر الصحة والتعليم مجانًا من خلال نظام ضريبي فعال، فأصبحتا من الدول ذات أعلى مستويات المعيشة في العالم.

فالدولة المنظمة تحمي “التجارة – البيع والشراء”، وتكسب الشعب والمال. وهذه هي الأسس السليمة لبناء دولة قوية تجمع بين التجارة والسياسة.

فلماذا لا تتعظ بعض الدول؟ ولماذا لا تستفيد من تجارب الدول الناجحة؟

قد يعجبك ايضا