ياسين الحديدي
كركوك
كنت أسمع، كما سمع غيري، عن شخصية كردية مناضلة في الحركة الكردية تُعرف بلقب «ملا ماطور»، وكنت أظن أن وراء هذا اللقب قصة أو سرًا ما، إلى أن اطلعت على معلومات عنه في كتاب الشيخ عبد اللطيف كلي «مشاهير الوطن»، الذي تناول سير عدد من الشخصيات الوطنية، ومن بينهم الراحل ملا ماطور.
الاسم: عبد الله إسماعيل أحمد
اللقب: ملا ماطور
مكان وتاريخ الولادة: شقلاوة – أربيل، 1927
تاريخ الوفاة: أربيل، 22 نيسان 2000
البدايات
تلقى عبد الله إسماعيل أحمد تعليمه الأول في الكتاتيب الدينية، وبدأ حياته المهنية عاملاً في مديرية السكك الحديدية سنة 1950، وكان من مؤسسي نقابة عمال السكك الحديدية عام 1954.
ولأنه كان يتنقل على دراجة نارية «ماطور» لإيصال التبليغات الحزبية، أطلق عليه الناس لقب «ملا ماطور»، وهو اللقب الذي لازمه طوال حياته وأصبح أشهر من اسمه الحقيقي.
المسيرة الحزبية والنضالية
انتمى ملا ماطور إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1949، ثم واصل نشاطه في صفوف الحزب خلال السنوات اللاحقة.
وفي عام 1954، تولى مسؤولية اللجنة المحلية للحزب في أربيل، قبل أن تعتقله السلطات الملكية لفترة قصيرة. وفي عام 1956، أشرف على تنظيمات الحزب في الموصل.
وفي 15 تشرين الأول 1957، زار السفارة المصرية برفقة ممثل عن الحزب الشيوعي العراقي، وقدم مذكرة احتجاج ضد العدوان الثلاثي على مصر.
ومع اندلاع ثورة أيلول عام 1961، التحق بالبيشمركة، وأشرف على تنظيمات الحزب في نينوى. كما قاد، إلى جانب محمد عثمان المفتي، هجوم سبندار في أربيل، وتمكنا من الاستيلاء على أسلحة.
وفي الأول من تشرين الثاني 1961، قاد هجوم باليسان، وأجبر القوات الحكومية على الانسحاب. وبعد ذلك عُيّن آمرًا سريًا لمنطقة سهل أربيل، ثم قائداً للفرع الأول للحزب في الأول من كانون الثاني 1962.
المنعطف السياسي والوصول إلى الوزارة
شهد عام 1964 منعطفًا مهمًا في مسيرة ملا ماطور السياسية، إذ وبسبب دعمه لجناح المكتب السياسي، المعروف باسم مجموعة إبراهيم أحمد – جلال طالباني، أُبعد عن الحزب الديمقراطي الكردستاني خلال المؤتمر السادس للحزب.
وبعد اتفاقية 11 آذار 1970، عاد إلى صفوف الحزب في 27 كانون الأول من العام نفسه، وأشرف على نزع أسلحة المجموعة في كولان.
وفي مرحلة لاحقة، انتقل ملا ماطور من العمل الحزبي والنضالي إلى العمل الحكومي، فشغل خلال الفترة من 1974 إلى 1988 منصب وزير دولة.
وفي 12 شباط 1977، عُيّن وزيرًا للنقل وكالةً بمرسوم جمهوري، ثم عُيّن في 7 أيار من العام نفسه وزيرًا للري وكالةً.
وفي عام 1981، مُنح وسام الضباط من رئيس جمهورية مالي، فيما أُحيل على التقاعد عام 1989.
حكاية نادرة من التاريخ
ومن النوادر التي تناقلتها الأجيال عن ملا ماطور، أنه بعد انشقاقه وانضمامه إلى الحكومة عام 1974، كلفه الرئيس أحمد حسن البكر بزيارة مدينة السليمانية ومنطقة كرميان.
وعندما وصل إلى كلار، سأل عن كوخا محمد قادر، أحد كبار عشيرة كل.
فأجابه أحد الحاضرين قائلًا:
«والله يا سيادة الوزير، قال كوخا: أعرف ملا ماطور عندما كان قياديًا في الثورة، لكنني لا أعرف ملا ماطور الوزير».
فرد ملا ماطور بهدوء:
«الذي قاله صحيح؛ فقد كنت أنا الذي أذهب إليهم وأمكث عندهم عدة أيام، والآن أيضًا سأزوره، من كلار إلى حيث هو، راجلًا».
وبالفعل، سار الوزير على قدميه، وتبعه المحافظ وقائد الفرقة وجميع المسؤولين، حتى وصلوا إلى بيت كوخا محمد في قرية شيخ لنكر، حيث استقبلهم بحفاوة، وتناولوا الغداء معه.
ولعل هذه الحكاية تختصر جانبًا مهمًا من شخصية ملا ماطور؛ فقد بقيت علاقاته وذكرياته مع أبناء المناطق الكردية حاضرة، رغم انتقاله من موقع المناضل والقيادي الميداني إلى موقع المسؤول والوزير.
خاتمة
رحل ملا ماطور يوم السبت 22 نيسان 2000 في أربيل، بعد حياة حافلة بالمحطات السياسية والنضالية والتحولات الكبيرة.
وبقي اسمه، ولقبه الذي ارتبط بتلك الدراجة النارية التي كان يستخدمها في إيصال التبليغات الحزبية، شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ الحركة الكردية والعراق المعاصر؛ مرحلة انتقل فيها رجل بدأ حياته معلّمًا في الكتاتيب وعاملاً في السكك الحديدية، ثم مناضلًا وبيشمركة وقياديًا حزبيًا، لينتهي به المطاف وزيرًا في الدولة.
إن قصة «ملا ماطور» ليست مجرد قصة لقب طريف، بل سيرة رجل عكست، في جوانب كثيرة منها، التحولات العميقة التي عاشها العراق والحركة الكردية خلال القرن العشرين.