هندسة ديموغرافية

صلاح بكر

​تُشكل المسائل المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها في العراق محوراً قانونياً وسياسياً حسّاساً يخضع لأحكام المادة (140) من الدستور العراقي الدائم لسنة 2005. وقد أزالت المحكمة الاتحادية العليا أي لبس قانوني بإقرارها الصريح والبات بسريان ونفاذ هذه المادة الدستورية واستمرار العمل بها لحين تنفيذ جميع مراحلها، مؤكدةً عدم جواز تعطيلها أو الالتفاف عليها.

​من هذا المنطلق، يُعد التوجيه الإداري الصادر عن لجنة تنفيذ المادة (140) بموجب الكتاب ذي العدد (557) والمؤرخ في 28/7/2026، والمتضمن إعفاء نقل البطاقة التموينية من موافقة اللجنة المسبقة، خرقاً واضحاً وصريحاً؛ إذ إن نقل السجلات التموينية والمستمسكات الثبوتية يُعد الأداة التنفيذية الأولى المؤثرة في البنية السكنية. وتسهيل هذه الإجراءات دون رقابة تدقيقية يُفرغ مرحلة “التطبيع” من محتواها الدستوري ويُعيق تحقيق غايتها التشريعية والقضائية.

​وتكمن خطورة هذا القرار في إحياء المخاوف التاريخية المتصلة بسياسات “التعريب” والهندسة الديموغرافية القسرية التي انتجها نظام البعث؛ حيث شملت تلك الحقبة تهجير السكان الأصليين، وتجريدهم من ملكياتهم الزراعية والسكنية، وإحلال الوافدين عبر امتيازات إدارية وتموينية بغية إعادة رسم الخريطة القومية في كركوك وبقية المناطق المتنازع عليها كما نص الدستور . إن السماح اليوم بنقل البطاقات التموينية بعيداً عن ضوابط لجنة المادة (140) يهدد بتثبيت تلك الاختلالات التاريخية أو خلق واقع ديموغرافي جديد يلتف على الاستحقاقات الإحصائية والاستفتائية المرتقبة.

​إن التداعيات المترتبة على هذا التغاضي الإداري تجعل الحفاظ على الاستقرار السلمي والمراكز القانونية أمراً في غاية التعقيد؛ فهو ينسخ آليات “التطبيع” المعنية بمعالجة التغيرات الديموغرافية غير القانونية، ويشرعن نقل الإقامة الدائمة تحت غطاء بطاقات التموين. وبناءً عليه، يمثل القرار تجاوزاً للأطر الدستورية والقرارات القضائية المفسرة لها، لما ينطوي عليه من إعادة تشكيل قسرية للواقع السكاني خارج الآليات الرسمية المحمية بنص الدستور.

قد يعجبك ايضا