عطا شميراني
في ذكرى رحيل الشاعر الكبير محمود درويش أقول له من كوردستان: شكرًا.
شكرًا لأنك لم ترَ فلسطين وحدها بل رأيت في وجع الشعوب المقهورة وجعًا واحدًا. رأيت في بحث الإنسان عن الحرية والكرامة قضية تتجاوز الحدود والخرائط.
أنا كردي وأعرف جيدًا معنى أن يحمل الإنسان وطنه في قلبه. أعرف معنى أن يعيش وهو يدافع عن ذاكرة حاول الآخرون طمسها وعن لغة حاولوا إضعافها وعن هوية أرادوا تحويلها إلى تهمة.
لهذا عندما قرأت محمود درويش لم أقرأ شاعرًا فلسطينيًا فقط. قرأت إنسانًا يعرف معنى الوطن ويعرف ماذا يعني أن تكون الأرض أكثر من جغرافيا وأن تكون الذاكرة أكثر من تاريخ مكتوب في الكتب.
درويش كان شاعر فلسطين لكنه كان أيضًا شاعر الإنسان الذي يبحث عن مكانه في هذا العالم. وهنا وجد الكردي نفسه قريبًا منه. فالشعوب التي عاشت الألم لا تحتاج إلى كثير من الشرح كي تفهم بعضها.
الكردي يفهم الفلسطيني لأن كليهما يعرف معنى أن يصبح الوطن سؤالًا مفتوحًا وأن تصبح الهوية معركة وأن يتحول الدفاع عن الذاكرة إلى مسؤولية تجاه الأجيال القادمة.
لقد تعلمنا من التاريخ أن الخرائط يمكن أن تتغير لكن الذاكرة لا تتغير بسهولة. وأن الأنظمة تستطيع أن تمنع الإنسان من رفع علمه لكنها لا تستطيع أن تمنعه من حمل وطنه في قلبه.
وهذا ما جعل شعر محمود درويش يتجاوز فلسطين. لقد جعل من القصيدة مساحة للذين لا يملكون من القوة إلا صوتهم. كان يعرف أن الشعر ليس مجرد كلمات جميلة وأن الشاعر الحقيقي لا يكتفي بوصف الألم بل يمنح المظلوم لغة يستطيع من خلالها أن يقول: أنا موجود.
وهذه الجملة كانت دائمًا واحدة من أصعب الجمل في تاريخ الشعوب المقهورة.
أنا موجود.
أنا كردي.
أنا فلسطيني.
أنا إنسان.
أنا صاحب حق في أن أعيش بكرامة فوق أرضي وأن أحافظ على لغتي وذاكرتي وهويتي.
لهذا لا أنظر إلى محمود درويش باعتباره شاعرًا عربيًا كبيرًا فحسب بل أراه جزءًا من الذاكرة الإنسانية التي وقفت إلى جانب الشعوب التي تبحث عن حريتها.
وما يجعل الوفاء له واجبًا بالنسبة لي ككردي هو أنه فهم أن التضامن مع قضية شعب لا يعني العداء لشعب آخر. كان يستطيع أن يرى العالم من زاوية واحدة لكنه اختار أن يرى الإنسان.
وهنا تكمن عظمة الشاعر.
السياسي قد يتغير موقفه عندما تتغير المصالح لكن الشاعر الحقيقي يبقى مع الإنسان. والقصيدة الصادقة لا تسأل عن هوية صاحب الجرح قبل أن تتعاطف معه.
ربما لهذا بقي محمود درويش حاضرًا في وجدان كثير من الكرد. لأننا نعرف جيدًا معنى أن يكون الوطن حلمًا.
نعرف معنى أن تكون هناك جبال وقرى ومدن وذكريات مرتبطة باسم وطن ثم تجد نفسك أمام تاريخ طويل من الصراع من أجل الاعتراف والكرامة.
ونعرف أيضًا أن القضية الوطنية لا تعني كراهية الآخرين. القضية الوطنية الحقيقية تبدأ من احترام الإنسان.
ولهذا أقول إن فلسطين وكوردستان تلتقيان في مساحة أكبر من السياسة.
تلتقيان في الذاكرة.
في المنفى.
في الحنين.
في اللغة.
في البحث عن الحرية.
وفي الإصرار على أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا كرامة.
لقد علّمنا محمود درويش أن الوطن ليس مجرد حدود مرسومة على الخريطة.
الوطن هو الأم التي تنتظر.
هو البيت الذي بقي في الذاكرة.
هو اللغة التي نحاول حمايتها من النسيان.
هو الأغنية التي يسمعها الإنسان في الغربة فيتذكر من أين جاء.
وهو الحلم الذي ينتقل من جيل إلى جيل حتى لو حاولت السياسة قتله.
لهذا أريد في ذكرى رحيله أن أقول له شيئًا بسيطًا يأتي من القلب.
شكرًا يا محمود.
شكرًا لأنك جعلت فلسطين قضية إنسانية.
وشكرًا لأنك أثبت أن الشاعر يستطيع أن يكون أكثر إنصافًا من السياسي.
وشكرًا لأنك تركت لنا قصائد لا تنتمي إلى زمن واحد.
وسيأتي يوم أزور فيه قبرك.
سأذهب من كوردستان وأحمل معي وردة. لن تكون وردة عابرة بل ستكون وردة من أرض عرفت معنى أن تحلم بالحرية.
سأضعها على قبرك نيابة عن كل كردي شريف يعرف قيمة الكلمة ويعرف قيمة الإنسان ويعرف قيمة من وقف يومًا إلى جانب قضية عادلة.
وسأقول لك:
هذه الوردة من كوردستان يا محمود.
من شعب أحببت قضيته وفهمت ألمه.
من شعب لا ينسى من وقف معه عندما كان الوقوف مع الحق يحتاج إلى شجاعة.
وربما لن أحتاج إلى قول شيء آخر. فبعض الرسائل تصل من دون كلمات.
يكفي أن تكون هناك وردة من كوردستان على قبر محمود درويش.
وردة تقول إن الشعوب قد تختلف في اللغة والجغرافيا والتاريخ لكنها تستطيع أن تلتقي في شيء واحد.
الحرية.
والكرامة.
والإنسان.
نم هادئًا يا محمود.
فالشعراء الحقيقيون لا يرحلون.
قد يغيب الجسد لكن القصيدة تبقى.
وقد تتغير الحكومات وتسقط الأنظمة وتتبدل التحالفات وتتغير الخرائط لكن الكلمة الصادقة تبقى.
ولهذا ستبقى قصائدك جسرًا بين فلسطين وكوردستان وبين كل شعب آمن أن الحرية حق وليست منحة من أحد.
وسيأتي يوم أضع فيه وردة كوردستان على قبرك وأقول لك:
من وطن إلى شاعر
ومن شعب إلى إنسان
ومن ذاكرة إلى ذاكرة
شكرًا محمود درويش.