د. آيات قاسم ياسين
يمثل موضوع الأقليات واحداً من أكثر الموضوعات تركيباً في دراسة التاريخ العراقي المعاصر، لأن العراق لم يتشكل تاريخياً بوصفه فضاءً اجتماعياً أحادي الهوية، بل نشأ وتطور في بيئة تعددية تداخلت فيها الجماعات القومية والدينية والمذهبية واللغوية والثقافية، حتى غدا التنوع عنصراً بنيوياً في تكوين المجتمع والدولة. ومن هنا فإن دراسة الأقليات لا ينبغي أن تنطلق من تصور يجعلها جماعات هامشية تقع خارج ما يسمى بالمجتمع الأساسي، بل من حقيقة تاريخية مؤداها أن هذه الجماعات كانت شريكاً في صناعة المجال العراقي الحديث، وأسهمت بدرجات متفاوتة في الاقتصاد والتعليم والثقافة والإدارة والسياسة والعمران.
إن إعادة قراءة التاريخ العراقي من زاوية التنوع تكشف أن مفهوم الأقلية ذاته ليس مفهوماً ثابتاً، بل هو نتاج للتحولات السياسية والقانونية والديموغرافية التي أعادت تعريف الجماعات ومواقعها داخل الدولة، ولذلك فإن تاريخ الأقليات هو في الوقت نفسه تاريخ الدولة العراقية وطريقة إدارتها للاختلاف.
عند تأسيس الدولة العراقية الحديثة في مطلع عشرينيات القرن العشرين، ورثت الدولة الجديدة مجتمعاً شديد التنوع من الولايات العثمانية السابقة. كان العرب والكورد والتركمان والآشوريون والكلدان والأرمن وغيرهم يتوزعون في مدن وأقاليم متعددة، إلى جانب المسلمين والمسيحيين واليهود والإيزيديين والصابئة المندائيين وجماعات دينية واجتماعية أخرى. ولم يكن هذا التنوع مجرد خريطة سكانية، بل كان شبكة من العلاقات التاريخية والاقتصادية والثقافية. ففي بغداد والموصل والبصرة وكركوك ومدن أخرى نشأت أنماط من التفاعل جعلت السوق والمدرسة والحرفة والمهنة والحي واللغة عناصر مشتركة في الحياة اليومية، مع احتفاظ الجماعات بخصوصياتها الدينية والثقافية. لذلك فإن صورة العراق الحديث لا تكتمل من دون إدراك أن التعدد كان سابقاً على الدولة، وأن الدولة لم تصنع التنوع بقدر ما وجدت نفسها أمام مهمة تنظيمه وتحويله إلى إطار للمواطنة.
لكن بناء الدولة الوطنية حمل معه إشكالية مركزية تمثلت في العلاقة بين الوحدة والتعدد. فقد سعت النخب الحاكمة إلى بناء هوية سياسية جامعة قادرة على تثبيت مؤسسات الدولة وحدودها، بينما كانت الجماعات المختلفة تحمل ذاكراتها ولغاتها وخصوصياتها ومطالبها. وأصبح السؤال التاريخ: هل تتحقق وحدة الدولة عبر صهر الاختلافات في نموذج ثقافي واحد، أم عبر الاعتراف بها وإدارتها ضمن مفهوم أوسع للمواطنة؟ وقد ظلت هذه الثنائية حاضرة طوال مراحل التاريخ العراقي المعاصر، واتخذت أشكالاً مختلفة تبعاً لطبيعة النظام السياسي ودرجة انفتاحه وموقفه من التعدد. وفي اللحظات التي غلب فيها منطق الدولة المركزية الصارمة، تحولت بعض الهويات إلى موضع شك أو مراقبة، بينما اتسعت إمكانات التعبير الثقافي والسياسي في مراحل أخرى.
تكشف التجربة التاريخية أن الجماعات المسيحية، بمختلف كنائسها وتكويناتها، أدت أدواراً مهمة في بناء الحياة الحديثة. فقد أسهم أفراد منها في التعليم والطب والصحافة والترجمة والإدارة والتجارة والفنون، وكانت المدارس والمؤسسات الثقافية المرتبطة بالكنائس جزءاً من تاريخ التعليم الحديث في عدد من المدن. ولم تكن المسيحية العراقية ظاهرة طارئة، بل تمتلك جذوراً تاريخية عميقة تسبق تأسيس الدولة بقرون طويلة، الأمر الذي يجعل دراسة المسيحيين جزءاً من دراسة الاستمرارية الحضارية للعراق. وفي الوقت نفسه، تعرضت هذه الجماعات في مراحل متعددة لضغوط سياسية وأمنية وهجرات متتابعة أثرت في بنيتها الديموغرافية، وأظهرت أن استقرار التنوع يرتبط بصورة مباشرة بقدرة الدولة على توفير الأمن والمساواة القانونية.
أما اليهود العراقيون فقد شكلوا، حتى منتصف القرن العشرين، مكوناً بارزاً في الحياة الحضرية، ولا سيما في بغداد والبصرة. وكان لهم حضور في التجارة والمصارف والمهن والتعليم والموسيقى والصحافة والأدب، كما تشكلت بينهم وبين بقية سكان المدن علاقات يومية معقدة لا يمكن اختزالها في الصراعات السياسية اللاحقة. ومع تصاعد الصراع العربي الإسرائيلي والتحولات السياسية الإقليمية، تعرض وجودهم في العراق لهزة عميقة انتهت بهجرة الغالبية الساحقة منهم. وتكشف هذه التجربة كيف يمكن للصراع الدولي والإقليمي أن يعيد تعريف موقع جماعة محلية، وأن يحول هوية دينية عريقة إلى قضية أمنية وسياسية. ومن منظور تاريخي، فإن رحيل اليهود العراقيين لم يكن مجرد تغير ديموغرافي، بل أدى إلى فقدان جزء من الذاكرة الحضرية والثقافية والاقتصادية لمدن عراقية رئيسة.
ويحتل الكورد موقعاً خاصاً في دراسة التنوع العراقي بسبب حجمهم السكاني وامتدادهم الجغرافي وخصوصيتهم القومية واللغوية، ولذلك لا يصح تناولهم فقط ضمن المفهوم التقليدي للأقليات العددية. فقد ارتبط تاريخ الدولة العراقية منذ تأسيسها بالسؤال الكوردي وبالعلاقة بين المركز والمناطق الكوردية، وتراوحت هذه العلاقة بين المشاركة والتفاوض والصراع المسلح والاتفاقات السياسية. وقد كشفت التجربة الكوردية أن الاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية وحده لا يكفي إذا لم يرتبط بترتيبات سياسية ومؤسساتية تضمن المشاركة والحقوق. وبعد تحولات طويلة ومؤلمة، أصبح الاعتراف بالفيدرالية وإقليم كوردستان في النظام الدستوري بعد عام 2003 تعبيراً عن تحول جوهري في تصور الدولة، من مركزية شديدة إلى محاولة بناء صيغة أكثر تعددية، رغم استمرار الخلافات حول الصلاحيات والموارد والمناطق المتنازع عليها.
كما يشكل التركمان مكوناً تاريخياً مهماً، ولا سيما في كركوك وتلعفر وطوزخورماتو ومدن ومناطق أخرى. وقد جعل موقعهم الجغرافي وتداخلهم مع العرب والكورد وبقية الجماعات من تاريخهم جزءاً أساسياً من تاريخ المناطق المختلطة. وتظهر التجربة التركمانية أن الهوية لا تتحرك في فراغ، بل تتأثر بالمنافسة السياسية وبالسياسات السكانية وبالصراع على الإدارة والموارد والتمثيل. وتبرز كركوك بصورة خاصة باعتبارها مختبراً تاريخياً للتنوع العراقي؛ فهي مدينة تداخلت فيها القوميات واللغات والمصالح الاقتصادية، ثم اكتسبت أهمية إضافية بسبب النفط. ولهذا فإن تاريخها يوضح أن إدارة التنوع لا يمكن فصلها عن إدارة الموارد والسلطة والذاكرة والعدالة.
وتقدم التجربة الإيزيدية نموذجاً آخر لعمق التعدد الديني في العراق وللمخاطر التي تواجه الجماعات حين تضعف مؤسسات الدولة. فالإيزيديون يمتلكون تراثاً دينياً واجتماعياً خاصاً ارتبط تاريخياً بمناطق سنجار وشيخان وغيرها، وحافظوا على هويتهم عبر قرون من التحولات. إلا أن الهجوم الذي تعرضوا له على يد تنظيم داعش عام 2014 مثل إحدى أكثر اللحظات مأساوية في التاريخ العراقي الحديث، بما شمله من قتل وسبي وتهجير وتدمير للمجتمعات المحلية. وقد أعاد ذلك الحدث طرح قضية حماية الأقليات بوصفها مسألة تتجاوز الاعتراف القانوني إلى بناء منظومات فعلية للأمن والعدالة ومنع الإفلات من العقاب وحماية الذاكرة وإعادة النازحين إلى مناطقهم.
والصابئة المندائيون بدورهم يمثلون مثالاً بالغ الدلالة على العلاقة بين العدد والدور الحضاري. فعلى الرغم من محدودية أعدادهم قياساً بمكونات أخرى، كان لهم حضور معروف في الحرف الدقيقة، ولا سيما صياغة الذهب والفضة، إلى جانب مجالات علمية ومهنية وثقافية. وتكشف تجربتهم أن القيمة التاريخية للجماعة لا تقاس بعدد أفرادها، وإنما بمدى إسهامها في النسيج الاجتماعي والمعرفي والاقتصادي. كما أن الهجرة الواسعة التي شهدتها هذه الجماعة خلال العقود الأخيرة توضح خطورة فقدان التنوع، لأن هجرة جماعة صغيرة قد تقود خلال فترة قصيرة إلى انقطاع تقاليد ومهن وطقوس وذاكرة تراكمت عبر أجيال.
إن دراسة الأقليات من خلال منظور الحياة اليومية تقدم صورة مختلفة عن التاريخ السياسي التقليدي. فالتاريخ المكتوب حول العراق ركز طويلاً على الحكومات والانقلابات والحروب والأحزاب والقادة، بينما ظلت العلاقات بين الناس في الأسواق والأحياء والمدارس والجامعات وأماكن العمل أقل حضوراً. ومع ذلك، فإن هذه المساحات هي التي صنعت جانباً كبيراً من التجربة العراقية المشتركة. فقد عرف العراق أحياء مختلطة ومدناً تتجاور فيها دور العبادة وتتداخل فيها اللغات والعادات والمأكولات والموسيقى. ومن هنا فإن التنوع لم يكن مفهوماً دستورياً فحسب، بل ممارسة اجتماعية يومية، وكان التعايش في أحيان كثيرة أكثر رسوخاً في المجتمع من الخطابات السياسية التي حاولت تقسيمه.
غير أن التعايش لا ينبغي أن يُقدَّم بصورة رومانسية تخفي الصراعات. فقد عرف العراق حوادث عنف وتمييز وتهجير استهدفت جماعات مختلفة، وتداخلت في إنتاجها عوامل الدولة والأيديولوجيا والصراع الإقليمي والانهيار الأمني والتنافس المحلي. وتفرض القراءة العلمية الاعتراف بهذه الصفحات وتحليلها من دون تحويلها إلى أساس لعداوات دائمة. فالتاريخ النقدي لا يهدف إلى توزيع الاتهامات على الجماعات، وإنما إلى فهم الآليات التي تجعل الاختلاف قابلاً للتحول إلى صراع. ومن أهم هذه الآليات تسييس الهوية، وغياب العدالة، وضعف المؤسسات، وتوظيف الخوف، وانتشار خطاب الكراهية، وربط المواطنة بالانتماء القومي أو الديني بدلاً من الحقوق المتساوية.
وقد لعبت التشريعات والدساتير دوراً محورياً في تحديد موقع التنوع. فمنذ العهد الملكي ظهرت محاولات لتنظيم الحقوق والتمثيل، ثم تغيرت طبيعة العلاقة في العهود الجمهورية تبعاً لاتجاهات الأنظمة الحاكمة. وفي مراحل معينة اتسع الاعتراف ببعض الحقوق الثقافية، بينما شهدت مراحل أخرى سياسات قسرية مست هويات ومناطق وجماعات. وبعد عام 2003 انتقل الخطاب الدستوري إلى مستوى واسع من الاعتراف بالتعدد القومي والديني والمذهبي، إلا أن الفجوة بين النص والممارسة ظلت تحدياً أساسياً. فالاعتراف الدستوري لا ينتج مجتمعاً تعددياً بصورة تلقائية، وإنما يحتاج إلى مؤسسات محايدة، وقضاء فاعل، وتعليم يعزز المواطنة، وسياسات تمنع التمييز، وتمثيل لا يحول الجماعات إلى حصص سياسية مغلقة.
ومن المفارقات المهمة أن النظام السياسي القائم على تمثيل المكونات قد يحمي الجماعات من الإقصاء، لكنه قد يسهم أيضاً في تثبيت الحدود بينها إذا تحولت الهوية إلى القناة الوحيدة للوصول إلى السلطة. فالمواطنة في المجتمع المتعدد تحتاج إلى معادلة دقيقة: الاعتراف بالخصوصيات من جهة، ومنع اختزال الفرد في هويته الجماعية من جهة أخرى. فالمواطن المسيحي أو الإيزيدي أو التركماني أو الكوردي أو العربي أو الصابئي لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط بوصفه ممثلاً لجماعته، بل بوصفه فرداً كامل الحقوق يستطيع المشاركة في الدولة وفق كفاءته واختياره السياسي. وهنا يظهر الفرق بين التعددية التي تحرر الهويات، والمحاصصة التي قد تسجن الأفراد داخلها.
وتعد الهجرة من أخطر التحولات التي أصابت بنية التنوع العراقي في العقود الأخيرة. فالحروب والعقوبات الاقتصادية والعنف الطائفي والإرهاب وعدم الاستقرار دفعت أعداداً كبيرة من أبناء مكونات مختلفة إلى مغادرة البلاد. وكان أثر الهجرة أشد على الجماعات الصغيرة، لأن فقدان بضعة آلاف من أفرادها يمكن أن يغير وجودها التاريخي بصورة جذرية. ولا يتعلق الأمر بالأرقام وحدها؛ فالمهاجر يحمل معه لغة وطقساً وحرفة وذاكرة وشبكة علاقات، وعندما تتقلص جماعة تاريخية فإن المجتمع كله يفقد جزءاً من رأسماله الثقافي. ولذلك فإن حماية التنوع ترتبط بخلق شروط العودة والاستقرار وفرص العمل والثقة بالمستقبل، وليس بمجرد الاحتفاء الرمزي بالمكونات.
لقد أسهم التنوع في تشكيل الثقافة العراقية الحديثة على نحو يصعب تفكيكه إلى حصص منفصلة. فالموسيقى والمطبخ واللغة الشعبية والأزياء والحرف والعمارة والأدب والصحافة كلها تحمل آثار التفاعل بين الجماعات. وكانت بغداد، على سبيل المثال، فضاءً تتقاطع فيه تقاليد عربية وكوردية وتركية وفارسية ويهودية ومسيحية وغيرها، بينما عكست الموصل تنوعاً دينياً ولغوياً عريقاً، وأظهرت كركوك نموذجاً متعدد القوميات، وجسدت البصرة انفتاحاً تاريخياً على الخليج والهند وإيران والعالم التجاري. وهذا التداخل يبين أن الهوية العراقية لم تكن طبقة موضوعة فوق الهويات المحلية، بل تشكلت تاريخياً من تفاعلها.
ومن الناحية الاقتصادية، لعبت الجماعات المتنوعة أدواراً في شبكات التجارة والصناعة والحرف والمهن الحرة. وأسهمت حركة السكان بين المدن والمناطق في نقل الخبرات وخلق أنماط جديدة من العمل. ومن الخطأ قراءة هذه الأدوار بمنطق الصفات الثابتة للجماعات، لأن النشاط الاقتصادي يتغير بتغير الظروف السياسية والتعليمية والأسواق، إلا أن دراسة توزيع المهن وشبكات التجارة والتعليم تكشف أن التنوع كان في مراحل كثيرة مصدراً للتكامل. وعندما تعرضت جماعات للهجرة أو الإقصاء، لم يكن الأثر اجتماعياً فقط، بل أصاب قطاعات ومهارات وشبكات اقتصادية تراكمت عبر زمن طويل.
وتكتسب الذاكرة أهمية خاصة في صناعة التنوع. فكل جماعة تحمل سرديتها الخاصة عن الماضي، وقد تتقاطع هذه السرديات أو تتعارض. وإذا تحولت الذاكرة إلى أداة للصراع، يصبح الماضي مخزوناً دائماً للاتهام والخوف، أما إذا أُديرت نقدياً فيمكن أن تصبح أساساً للاعتراف المتبادل. وهنا تبرز مسؤولية المؤرخ في تجاوز الرواية الأحادية، والاستماع إلى الوثيقة الرسمية والشهادة الشفوية والصحافة والمذكرات والأرشيفات المحلية والدينية والصور والمواد الثقافية. فكتابة تاريخ العراق من منظور تعددي تعني منح الجماعات المختلفة حق الظهور داخل الرواية الوطنية من دون أن تتحول الرواية إلى مجموعة تواريخ منفصلة لا رابط بينها.
كما يمثل التعليم ساحة مركزية في تشكيل الوعي بالتنوع. فالكتب المدرسية تستطيع أن تجعل الطالب يرى المكونات الأخرى شركاء في التاريخ، أو أن تدفعها إلى هامش السرد. ومن ثم فإن بناء ذاكرة وطنية متوازنة يتطلب أن يقدم تاريخ العراق بوصفه حصيلة مساهمات متداخلة، وأن تُدرَّس الأديان واللغات والثقافات العراقية بموضوعية واحترام، وأن يجري تعريف الأجيال بالمواقع الدينية والتراثية لمختلف الجماعات باعتبارها جزءاً من التراث الوطني. إن حماية التنوع تبدأ من المعرفة، لأن الجهل بالآخر يوفر بيئة خصبة للصورة النمطية والكراهية.
ولا يمكن فصل مستقبل الأقليات عن مسألة التنمية المحلية. فالكثير من مناطق التنوع عانت من الحروب أو ضعف الخدمات أو النزاعات على الإدارة والأرض، ولذلك فإن ضمان الاستقرار يتطلب إعادة الإعمار وتوفير فرص اقتصادية وحماية الملكيات وتسوية النزاعات وإشراك السكان في اتخاذ القرار. إن بقاء جماعة في موطنها التاريخي لا يتحقق بالشعارات، بل بوجود مدرسة ومستشفى وطريق وفرصة عمل وأمن وقضاء يستطيع حماية الحقوق. ومن هنا تصبح التنمية أداة من أدوات حماية التراث البشري، لأن الإنسان هو الحامل الفعلي للغة والعادات والذاكرة.
وفي عصر العولمة والاتصال الرقمي، دخل التنوع العراقي مرحلة جديدة. فمن جهة، أتاحت وسائل الاتصال لأبناء الجماعات المهاجرة الحفاظ على صلاتهم بمناطقهم وتراثهم، ووفرت إمكانات لتوثيق اللغات والطقوس والمخطوطات والذاكرة الشفوية. ومن جهة أخرى، أصبحت المنصات الرقمية مجالاً سريعاً لنشر خطاب الكراهية والمعلومات المضللة. وهذا يفرض الانتقال من مفهوم الحماية التقليدية إلى مفهوم أوسع للأمن الثقافي والرقمي، يتضمن حفظ الأرشيفات، وتوثيق التراث، ومكافحة التحريض، وتشجيع إنتاج محتوى معرفي يعكس حقيقة المجتمع العراقي بتعدده.
إن التجربة العراقية تؤكد أن التنوع لا يتحول تلقائياً إلى قوة، كما أنه ليس سبباً حتمياً للصراع. الذي يحدد مساره هو طبيعة المؤسسات والقوانين والثقافة السياسية وتوزيع الموارد. ففي الدولة التي تقوم على المواطنة وسيادة القانون يمكن للاختلاف أن يتحول إلى مصدر للثراء والابتكار والانفتاح، أما في الدولة الضعيفة أو التي تستخدم الهوية أداة للتمييز، فقد يصبح الاختلاف مدخلاً للصراع. ولهذا فإن المشكلة التاريخية لم تكن في وجود جماعات متعددة، بل في أنظمة إدارة هذا التعدد وفي اللحظات التي جرى فيها تحويل الاختلاف الطبيعي إلى تراتبية سياسية أو اجتماعية.
ومن الضروري كذلك إعادة النظر في مصطلح (الأقليات) نفسه. فالمصطلح مفيد قانونياً وسياسياً لحماية الجماعات الأقل عدداً، لكنه قد يحمل إيحاءً بالهامشية أو النقص في الانتماء. والأدق في كثير من السياقات العراقية الحديث عن (المكونات) أو (الجماعات التاريخية) ضمن مجتمع متعدد، مع الحفاظ على مفهوم حقوق الأقليات في إطاره القانوني. فالانتماء إلى جماعة قليلة العدد لا يجعل صاحبها أقل عراقية أو أقل حقاً في المجال العام. وتكمن قيمة الدولة الحديثة في قدرتها على فصل الحقوق عن الحسابات العددية، بحيث تكون المواطنة رابطة قانونية وسياسية متساوية.
وإذا أريد للتاريخ أن يسهم في صناعة المستقبل، فإن المطلوب ليس مجرد توثيق ما تعرضت له الجماعات من مآسٍ، بل تحليل شروط منع تكرارها. ويتضمن ذلك حفظ المواقع الدينية والتراثية، واستعادة الممتلكات، وتوثيق الجرائم، وتعزيز العدالة، ودعم اللغات والثقافات المحلية، وفتح المجال أمام المشاركة السياسية والمدنية، وإعادة بناء الثقة بين السكان. كما ينبغي إنشاء أرشيفات وطنية للتنوع العراقي تجمع الوثائق والصور والشهادات الشفوية، لأن ضياع ذاكرة جماعة هو خسارة للذاكرة الوطنية بأكملها.
إن قراءة التاريخ العراقي المعاصر من منظور الأقليات تقود في النهاية إلى نتيجة أساسية: العراق لم يكن وطناً اكتمل أولاً ثم انضمت إليه جماعات مختلفة، بل إن هذه الجماعات نفسها أسهمت في صنع الوطن تاريخياً. فالتنوع ليس هامشاً في القصة العراقية، وإنما أحد نصوصها المؤسسة. وكل محاولة لكتابة تاريخ وطني يستبعد بعض مكوناته تنتج تاريخاً ناقصاً، كما أن كل مشروع سياسي يتعامل مع التعدد باعتباره عبئاً يفقد القدرة على فهم طبيعة المجتمع الذي يحكمه. إن وحدة العراق الأكثر رسوخاً ليست الوحدة التي تنكر الاختلاف، بل التي تجعل الاختلاف آمناً داخل إطار المواطنة.
وعليه، فإن صناعة التنوع في التاريخ العراقي المعاصر هي عملية مستمرة تتداخل فيها الدولة والمجتمع والذاكرة والقانون والثقافة. لقد مر العراق بمراحل أثبتت فيها جماعاته قدرتها على العيش والتفاعل والإنتاج المشترك، كما مر بمراحل كشفت هشاشة هذا التعايش حين تنهار المؤسسات أو تتغلب الأيديولوجيات الإقصائية. والدرس التاريخي الأعمق هو أن حماية الأقليات ليست امتيازاً تمنحه الأغلبية، وإنما اختبار لعدالة الدولة وشرعيتها. فالدولة التي يستطيع فيها أضعف مكون أن يعيش آمناً ويحفظ لغته وذاكرته وطقوسه ويشارك في المجال العام هي دولة أكثر قوة، لأن قوتها لا تقوم على التشابه القسري، بل على الثقة. ومن هنا يمكن النظر إلى التنوع العراقي لا بوصفه مشكلة تنتظر الحل، وإنما بوصفه رصيداً تاريخياً يحتاج إلى إدارة عادلة وعقلانية، ومصدراً لإعادة بناء هوية وطنية تتسع لجميع العراقيين وتستمد وحدتها من الاعتراف بالتعدد لا من محوه.