سنجار… الجرح الذي لم يندمل ودور لم يُنسَ

احمد كوران

في فجر 3 آب 2014، اجتاحت عصابات تنظيم داعش الإرهابي قضاء سنجار في محافظة نينوى. وتحولت المدينة خلال ساعات من مجتمع مسالم إلى مسرح لجريمة إبادة جماعية.
أُعدم الرجال ميدانياً، وخُطفت النساء والأطفال وبِيعوا في أسواق النخاسة ، وهربت آلاف العوائل إلى جبل سنجار بلا ماء ولا طعام تحت شمس آب الحارقة.
وقد وصفت الأمم المتحدة لاحقاً ما جرى بأنه “إبادة جماعية بحق الإيزيديين”.
أما لأهل سنجار، فكان 3 آب ببساطة: اليوم الذي انكسرت فيه الحياة .

تهدف هذه المقالة إلى استعراض حجم الفاجعة، ثم تسليط الضوء على الدور الذي اضطلع به مكتب الرئيس نيجيرفان بارزاني في ملف إنقاذ المختطفين ومعالجة تداعيات الجريمة.

أولاً: حجم الفاجعة بالأرقام والبعد الإنساني
كانت جريمة سنجار واحدة من أبشع جرائم القرن 21 من حيث الاستهداف المنهجي لهوية جماعة دينية. وتتمثل أبرز معطياتها بـ:

1. الضحايا : أكثر من 5000 شهيد، بينهم شيوخ وأطفال ونساء.
2. المختطفون : أكثر من 6400 مواطن إيزيدي بين امرأة وطفل ورجل تم اختطافهم.
3. النازحون : مئات الآلاف تشردوا إلى مخيمات إقليم كوردستان في دهوك وأربيل وزاخو.
4. المقابر الجماعية : تم اكتشاف أكثر من 80 مقبرة جماعية لاحقاً في القضاء ونواحيه.

لم يقتصر الوجع على الأرقام. تمثلت الفاجعة في التفاصيل: بيع الفتيات بـ 20 دولار، وتجنيد الأطفال قسراً، وإجبار الأمهات على مشاهدة قتل أبنائهن.
وبذلك لم تستهدف الجريمة الأجساد فقط، بل كانت محاولة ممنهجة *لمحو هوية شعب كامل .

ثانياً: دور مكتب الرئيس نيجيرفان بارزاني في ملف المختطفين
منذ اليوم الأول، تعاملت حكومة إقليم كوردستان مع ملف سنجار على أنه مسؤولية وطنية وإنسانية قبل أن يكون ملفاً سياسياً.
وكان لمكتب الرئيس نيجيرفان بارزاني دور محوري عبر 3 مسارات رئيسية:

1. المسار الأمني والإداري: لجنة إنقاذ المختطفين
شُكل فريق عمل متخصص داخل الرئاسة لمتابعة ملف المختطفين على مدار الساعة. وتضمنت مهامه:
– التواصل والوساطة : التنسيق مع العشائر والوسطاء المحليين والمنظمات الدولية لإطلاق سراح المحتجزين، مع إعطاء الأولوية للنساء والأطفال.
– الدعم المالي : تخصيص مبالغ مالية لدفع الفديات في الحالات التي تعذر فيها الحل الأمني، باعتماد مبدأ “إنقاذ الأرواح أولاً .
– التوثيق : بناء قاعدة بيانات بأسماء المختطفين والمفقودين بالتعاون مع الناجين وعوائلهم، وتسليمها للتحالف الدولي والأمم المتحدة.

2. المسار الإنساني والقانوني
– التأهيل النفسي والاجتماعي : إنشاء مراكز خاصة لاستقبال الناجيات في دهوك وأربيل، وتوفير العلاج النفسي والدورات التعليمية والدعم القانوني لرفع قضايا دولية.
– التوثيق الدولي : كان المكتب من الداعمين الأساسيين لجهود تصنيف ما جرى في سنجار كـ “إبادة جماعية في المحافل الدولية، لضمان عدم ضياع القضية.
– إعادة الدمج : إطلاق برامج لإعادة الناجيات إلى المجتمع، وتوفير السكن وفرص العمل، انطلاقاً من أن العودة من الأسر تحتاج إلى وطن يحتضن.

3. النتائج على الأرض
حتى منتصف عام 2025، تم إنقاذ وتحرير أكثر من 3600 مختطف ومختطفة بجهود مباشرة وغير مباشرة قادتها حكومة الإقليم.
تنوعت طرق التحرير بين عمليات نوعية، وحالات هروب، ووساطات.
ورغم أن الرقم لا يشمل جميع المفقودين، إلا أنه يؤكد أن الباب لم يُغلق يوماً .

ثالثاً: أهمية استمرار هذا الدور
تكتسب متابعة المكتب لهذا الملف أهمية لثلاثة أسباب:
1. عدم إغلاق الملف : قضية المختطفين ملف مفتوح. كل يوم يمر دون عودة مفقود هو خسارة جديدة.
2. الذاكرة الرسمية : حافظ المكتب على أن يكون الذاكرة الرسمية للقضية عبر متابعة مستمرة مع المنظمات والحكومات وعوائل الضحايا، وليس ببيانات موسمية.
3. ما بعد الإنقاذ : لم يقتصر الدعم على التحرير، بل شمل بناء بيوت بديلة في سنجار، ودعم عودة النازحين، والضغط دولياً لإخراج داعش ومحاسبة الجناة.

رابعاً: سنجار اليوم… بين الجرح والأمل
لا تزال سنجار مدينة مجروحة. الخدمات الأساسية ناقصة، والمئات من المفقودين لم يعودوا، والجبل ما زال شاهداً على العطش.
ولكن في المقابل، سنجار مدينة تقاوم. المدارس فُتحت، والعوائل بدأت بالعودة، وصوت الإيزيديين وصل إلى المحافل الدولية.

الخاتمة
علمتنا فاجعة سنجار درسين أساسيين:
الأول: أن الصمت عن الإبادة جريمة .
والثاني: أن الإنقاذ الحقي يبدأ حين لا تكون الكاميرات موجودة .
كان دور مكتب الرئيس نيجيرفان بارزاني مثالاً على أن السياسة يمكن أن تكون إنسانية.
أن يكون هناك مكتب يرد على اتصال أم تبحث عن ابنتها، وأن تُخصص ميزانية لشراء الحرية بدل شراء الصمت.

الرحمة للشهداء. الحرية للمفقودين. والعهد لسنجار: لن ننسى، ولن نترككم وحدكم.

قد يعجبك ايضا
∧