د. نادية الجدوع
خبير ستراتيجي
ليس العراق وطناً يبحث عن بداية، بل هو وطنٌ يبحث عن استعادة مكانته التي صنعها عبر آلاف السنين. فهو أرض الحضارات الأولى، ومنبع الحرف والقانون، ومهد الزراعة والري، وموطن العلماء والمفكرين والمبدعين. وما يملكه العراق من ثروات طبيعية وطاقات بشرية وإرث حضاري يجعله مؤهلاً لأن يكون من الدول الرائدة في التنمية والاقتصاد والابتكار، إذا ما توفرت الرؤية الاستراتيجية والإدارة الرشيدة والإرادة الوطنية.
إن المرحلة الراهنة ليست مجرد مرحلة لإدارة شؤون الدولة، بل هي فرصة تاريخية لإطلاق عقد وطني جديد للتنمية، يضع الإنسان العراقي في قلب السياسات العامة، ويجعل التنمية الشاملة هدفاً، والعدالة الاجتماعية منهجاً، وسيادة القانون أساساً، والإنتاج الوطني ركناً للاستقرار الاقتصادي.
إن مستقبل العراق يبدأ من المرأة؛ فهي الأم والمربية والمعلمة والباحثة والطبيبة والمهندسة وصانعة الأجيال. ومن هنا، فإن بناء الدولة الحديثة يستوجب مراجعة وتحديث المنظومة التشريعية بما يكفل تعزيز حقوق المرأة، وحمايتها من جميع أشكال العنف والتمييز والاستغلال، وتوفير الضمانات القانونية والاجتماعية والصحية التي تمكنها من أداء رسالتها الوطنية، وتوسيع حضورها في مواقع القيادة وصناعة القرار، باعتبارها شريكاً أساسياً في بناء الدولة، لا طرفاً هامشياً في مسيرتها.
ولا يقل الطفل العراقي أهمية عن أي مشروع اقتصادي أو استثماري، فهو الاستثمار الحقيقي للمستقبل. ولذلك فإن بناء منظومة متكاملة لحماية الطفل، وتطوير التعليم، وتوفير الرعاية الصحية والتغذية السليمة والبيئة الآمنة، ومكافحة التسرب الدراسي والأمية، يمثل أساساً لبناء أجيال تمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على المنافسة في عالم سريع التغير.
إن التنمية لا يمكن أن تتحقق من دون نهضة تعليمية شاملة، تبدأ من رياض الأطفال، وتمتد إلى المدارس والجامعات ومراكز البحث العلمي، مع تحديث المناهج، وربط التعليم بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، حتى يصبح التعليم منتجاً للعقول القادرة على قيادة الاقتصاد الوطني.
وفي الجانب الاقتصادي، فإن العراق بحاجة إلى التحول من دولة تعتمد على الاستهلاك إلى دولة تقودها الصناعة والإنتاج. فتعزيز الصناعة الوطنية، وتشجيع الاستثمار، وتوطين التكنولوجيا، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير المدن الصناعية، تمثل ركائز أساسية لتنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وخلق فرص عمل مستدامة للشباب والخريجين.
كما أن القطاع الزراعي يستحق أن يكون في مقدمة أولويات التنمية الوطنية، من خلال دعم الفلاح العراقي، وتوفير مستلزمات الإنتاج الحديثة، وتطوير أنظمة الري، واستصلاح الأراضي، وحماية الرقعة الزراعية، بما يعزز الأمن الغذائي ويعيد للعراق مكانته الزراعية التاريخية.
وتبقى المياه ثروة استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط، الأمر الذي يتطلب رؤية وطنية لإدارة الموارد المائية، واستثمار الأنهار والسدود والمسطحات المائية، وتوسيع مشاريع الخزن والإرواء، وحماية المياه من الهدر والتلوث، بما يضمن استدامتها للأجيال القادمة ويخدم التنمية الزراعية والصناعية.
وفي عصر التحولات العالمية، لم تعد الطاقة المتجددة خياراً بيئياً فحسب، بل أصبحت ضرورة اقتصادية واستراتيجية. ومن هنا، فإن الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتطوير البنية التحتية للطاقة النظيفة، سيعزز أمن الطاقة، ويخفض كلفة الإنتاج، ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والتشغيل.
كما أن الإعلام والثقافة والرياضة والفنون ليست قطاعات تكميلية، بل هي أدوات لبناء الهوية الوطنية، وترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز التماسك المجتمعي، وصناعة صورة حضارية للعراق في محيطه الإقليمي والدولي.
إن النهضة المنشودة تتطلب أيضاً ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، وتعزيز الشفافية، واحترام سيادة القانون، وتطوير الإدارة العامة، والاستفادة من الخبرات الوطنية والكفاءات الأكاديمية في رسم السياسات العامة، لأن الدول القوية تُبنى بالمؤسسات، وتنهض بالعلم، وتستثمر في الإنسان.
إن العراق لا يحتاج إلى حلول آنية، بل إلى رؤية استراتيجية وطنية تمتد لعقود، يكون هدفها بناء اقتصاد متنوع، ومجتمع متماسك، ومؤسسات كفوءة، وبيئة جاذبة للاستثمار، وعدالة اجتماعية تضمن تكافؤ الفرص لجميع المواطنين.
إن دعوة اليوم ليست إلى إصلاح قطاع بعينه، بل إلى إطلاق مشروع وطني شامل يجعل من العراق دولةً منتجة لا مستهلكة، ومصدّرة للمعرفة لا مستوردة لها، وقادرة على تحويل ثرواتها الطبيعية والبشرية إلى قوة تنموية مستدامة. فبناء الإنسان، وحماية المرأة والطفل، والنهوض بالتعليم والصحة، وتطوير الزراعة والصناعة والطاقة والمياه، هي الطريق الحقيقي نحو عراقٍ يستعيد مكانته، ويصنع مستقبله بإرادة أبنائه، ويقدم نموذجاً للدولة الحديثة القائمة على العلم والعمل والعدالة والتنمية.