الإبادة الإيزيدية… يوم سقطت الإنسانية في امتحان الضمير

نبيل عبد الأمير الربيعي

لا تقاس الأمم بعدد الحروب التي تخوضها، بل بعدد الضحايا الذين تحميهم. ولا يُختبر المجتمع الدولي في المؤتمرات والبيانات، بل في اللحظة التي يصبح فيها الإنسان هدفًا للإبادة بسبب دينه أو هويته أو انتمائه. وفي الثالث من آب عام 2014، لم تكن سنجار وحدها هي التي سقطت، بل سقط معها جزء من الضمير الإنساني، حين تُرك عشرات الآلاف من الإيزيديين يواجهون أكثر التنظيمات الإرهابية وحشية في العصر الحديث، فيما كان العالم يراقب المشهد ببطءٍ يقترب من التواطؤ بالصمت.
لم تكن تلك الجريمة انفجاراً عابراً للعنف، ولا نتيجةً جانبية لحربٍ أهلية، بل مشروعًا متكاملاً للإبادة. كان الهدف واضحاً: محو جماعة بشرية من الوجود، وتحويل تاريخها إلى أثرٍ بعد عين، وذاكرتها إلى رماد. وحين تقتل النساء لأنهن إيزيديات، ويذبح الرجال لأنهم رفضوا التخلي عن عقيدتهم، ويُختطف الأطفال ليُعاد تشكيل وعيهم بالقوة، فإننا لا نكون أمام حرب، بل أمام محاولة لاغتيال فكرة التعدد الإنساني نفسها.
لقد أراد تنظيم داعش أن يثبت أن الكراهية أقوى من الحضارة، وأن السكين أبلغ من الكتاب، وأن الخوف يستطيع إعادة كتابة التاريخ. لكنه، وهو يغرق في وحشيته، لم يدرك أن الدم لا يدفن الحقيقة، بل يوقظها.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن داعش لم يكن وحده المسؤول عن المأساة. فالتطرف لا ينشأ في الفراغ، وإنما يتغذى على هشاشة الدولة، وانقسام المجتمع، وفساد السياسة، وفشل المؤسسات، وثقافة الإفلات من العقاب. وما حدث في سنجار كان أيضًا نتيجة لعجز المنظومة الدولية عن حماية المدنيين، وإخفاق المجتمع الدولي في التحرك قبل أن تتحول التحذيرات إلى مقابر جماعية.
إن أخطر ما في الإبادة ليس عدد الضحايا، بل اعتياد العالم عليها. فحين تتحول صور المقابر الجماعية إلى خبر عابر، وتغدو النساء المستعبدات مجرد أرقام في التقارير، يكون الإرهاب قد حقق نصف انتصاره؛ لأن النسيان هو الوجه الآخر للجريمة.
من هنا، لم يكن الإعلام مجرد وسيط لنقل الوقائع، بل كان خط الدفاع الأول عن الحقيقة. فالكاميرا التي دخلت المقابر الجماعية كانت أقوى من رصاص القتلة، والشهادة التي خرجت من فم ناجية كانت أبلغ من آلاف البيانات الرسمية. لقد نجح الإعلام المهني في انتزاع الضحايا من برودة الإحصاءات، وأعاد إليهم أسماءهم ووجوههم وأحلامهم، وحوّل الألم الفردي إلى قضية إنسانية عالمية.
غير أن الإعلام، مهما بلغت قوته، لم يكن ليصنع هذا الأثر لولا شجاعة الناجين. لقد خرجوا من بين الجثث لا ليبحثوا عن الشفقة، بل ليطالبوا بالعدالة. حملوا جراحهم إلى العالم، لا بوصفها مذكرات شخصية، بل بوصفها لوائح اتهام ضد القتلة، وضد كل من صمت أو تأخر أو تردد. لقد أثبتوا أن الضحية يمكن أن تصبح أقوى من جلادها حين تمتلك الحقيقة.
ويبرز في هذا السياق الناجي إدريس بشار، الذي خرج من المقبرة الجماعية حاملًا حياةً لم يعد يملكها لنفسه وحده، بل لأولئك الذين بقوا تحت التراب. لقد اختار أن يعيش شاهداً لا ناجياً فقط، وأن يحول ذاكرته إلى منبر للدفاع عن العدالة. إنه ليس حالة فردية، بل رمز لجيل كامل رفض أن تكون نجاته نهاية القصة، وأصر على أن يجعلها بداية للمحاسبة.
لكن الحقيقة المؤلمة أن العدالة ما زالت تمشي بخطى أبطأ من ذاكرة الضحايا. فما زال آلاف المختطفين مجهولي المصير، وما زالت عشرات المقابر الجماعية تنتظر أن تكشف أسرارها كاملة، وما زالت سنجار، رغم مرور السنوات، تبحث عن استقرار يليق بحجم التضحيات. إن العدالة التي تتأخر طويلاً تفقد جزءاً من معناها، لكنها لا تفقد ضرورتها.
إن العراق، وهو يستعيد هذه الذكرى، لا يحتاج إلى خطابات رثائية بقدر حاجته إلى مراجعة شجاعة. فالدول لا تُبنى بالإنكار، بل بالاعتراف. ولا تستعيد عافيتها بإخفاء الجراح، بل بمعالجتها. إن حماية التنوع الديني والقومي ليست مِنّة تمنحها الدولة لمكوناتها، بل هي جوهر شرعيتها، وأول اختبار لمدى احترامها للدستور وحقوق الإنسان.
وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي مدعو إلى تجاوز لغة التعاطف الموسمي. فالإبادة الجماعية ليست حدثاً يستذكر مرة كل عام، بل جريمة مستمرة ما دامت آثارها قائمة، وما دام الضحايا ينتظرون الإنصاف. إن حماية الأقليات، وملاحقة مرتكبي جرائم الإبادة، وتجريم خطاب الكراهية، ليست قضايا أخلاقية فحسب، بل مسؤوليات قانونية وسياسية تقع على عاتق الإنسانية جمعاء.
لقد حاول القتلة أن يجعلوا من سنجار مقبرة للذاكرة، فإذا بها تتحول إلى شاهد أبدي على سقوط الإرهاب الأخلاقي. وحاولوا أن يسكتوا الضحايا، فإذا بأصواتهم تصل إلى المحاكم والبرلمانات والمنابر الدولية. وظنوا أن المقابر الجماعية ستخفي الجريمة، فإذا بها تتحول إلى وثائق إدانة لا يستطيع التاريخ أن يمحوها.
إن الثالث من آب ليس يوماً في الروزنامة العراقية فحسب، بل تاريخاً ينبغي أن يُدرَّس بوصفه درسًا عالمياً في نتائج التعصب، وفشل الدولة، وصمت المجتمع الدولي، وقوة الإنسان حين يتمسك بالحقيقة.
فالذين قتلوا في سنجار لم يكونوا ضحايا الإيزيدية وحدها، بل ضحايا عالم تأخر كثيراً في أن يفعل ما كان يجب أن يفعله في الوقت المناسب. أما الذين نجوا، فقد أثبتوا أن الذاكرة قد تكون آخر حصون العدالة، وأن الكلمة الصادقة تستطيع، ولو بعد حين، أن تهزم الرصاصة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطارد ضمير العالم في كل ذكرى: هل تعلمت الإنسانية شيئاً من سنجار، أم أنها ما زالت تنتظر إبادةً أخرى لتعلن مرةً أخرى أنها (تشعر بالقلق العميق)؟

قد يعجبك ايضا