شينوار ابراهيم
أنا أمٌ إيزيدية…
قبل أن أكون إيزيدية، أنا إنسانة… وقبل أن أحمل هذا الحزن الذي أثقل روحي، كنت امرأة عرفت معنى الحب… الخوف والأمل… عرفت دفء البيت وصوت العائلة ورائحة الأرض التي احتضنت طفولتي.
لا أكتب إليكم لأطلب الشفقة… فالشفقة لا تعيد من فقدناهم… لا تعيد طفلاً إلى حضن أمه… لا تمحو أثراً تركته الجريمة في أرواح الناجين.
أكتب لأن هناك ذاكرة لا يجب أن تُدفن… وحقيقة لا يجوز أن تُنسى.
في الثالث من آب… لم يحرقوا قرانا فقط…
لقد أحرقوا معها ذاكرة أجيالٍ كاملة… مزقوا حياةً كانت تنبض بين تلك البيوت والجبال…
لم يقتلوا أشخاصاً فقط… لقد قتلوا الطمأنينة في قلوب الآباء… سرقوا طفولة الأطفال… خطفوا آلاف النساء والفتيات وتركوا خلفهم أرواحاً تحمل جراحاً يعجز اللسان عن وصفها…. فعلوا كل ذلك تحت اسم الله…
الكلمات تعجز عن حمل ثقل ما رأته العيون… وتبقى الأرواح عاجزة عن استيعاب كيف يمكن للإنسان أن يرتكب كل هذا باسم المقدس.
في ذلك اليوم حملت النساء جراحاً لا يقدر الزمن على محوها… جراحاً لا تُكتب بالكلمات، بقيت شاهدة على وجعٍ لا يستطيع التاريخ أن يتجاهله….

ما زلت أسمع صرخات الفتيات الإيزيديات اللواتي اغتصبوهن… صرخاتٍ بقيت معلّقة في سماء ذاكرتي، شاهدةً على جريمة لا يجوز أن تُنسى.
اغتصبوا منزلي الطيني الذي حمل ملامح طفولتي…
ذلك البيت لم يكن جدراناً وسقفاً فقط، بل كان حرمةً مقدسةً تسكن فيها ذاكرتي. في كل زاوية منه كانت هناك حكاية… على جدرانه بقيت أصوات أمي… تحت ظلال أشجار التين كان دفء الجبال يعانق الشمس.
كان عالمي الصغير… المكان الذي عرفت فيه معنى الأمان، حيث كانت الأشياء البسيطة تحمل قيمة لا تُقاس.
قد يظن العالم أن أصعب لحظة كانت لحظة الهجوم… لحظة اقتحام الأبواب… لحظة فقدان الأحبة.
لكن هناك جراحاً لا تنتهي بانتهاء اليوم.
هناك ليالٍ بقيت فيها الأرواح مستيقظة… هناك أمهات ما زلن ينتظرن أبناءهن… هناك نساء يحملن قصصاً يعجز الإنسان عن وصف ثقلها.
قد أنسى تفاصيل الطريق الذي اقتادوني فيه… قد تخونني الذاكرة في بعض الوجوه والأماكن…
لكنني لن أنسى أبداً كيف يبدو الإنسان عندما يُسلب منه الأمان… عندما تُنتزع منه الكرامة ويُترك وحيداً أمام عالم صامت.
لن أنسى الخوف… الصمت… لن أنسى الأيام التي شعرت فيها أن العالم كله ابتعد عنا.
اليوم أتكلم…
لأن صرختي ليست صرختي وحدي… هي صرخة كل أم إيزيدية انتظرت ابنها… كل امرأة نجت وحملت ما لا يستطيع إنسان احتماله… كل طفل سُرقت منه طفولته وكل إنسان يرفض أن تتحول الجريمة إلى صفحة منسية في التاريخ.
أيها العالم…
لا تنظروا إلينا كأرقام في التقارير… لا كصور للحزن فقط… انظروا إلينا كبشر لهم أسماء… ذكريات وكرامة…
نحن لسنا مجرد ضحايا… نحن بشر نجونا… صمدنا وحافظنا على وجودنا رغم كل ما فُعل بنا.
لا أطلب الانتقام… أطلب العدالة.
لا أطلب الكراهية… أطلب أن يتعلم العالم.
لا أطلب المستحيل… أطلب ألا تعيش أم أخرى ما عشته أنا، أياً كان دينها أو قوميتها أو لغتها.
لا تجعلوا الثالث من آب مجرد تاريخ يُذكر ثم يُنسى… اجعلوه عهداً إنسانياً بأن لا تتكرر الإبادة بحق أي إنسان.
فالدمعة لا دين لها… الألم لا يعرف حدوداً… الكرامة حق لكل إنسان.
أنا أم إيزيدية…
سرقوا سنوات جميلة من عمري… لكنهم لم يستطيعوا أن يأخذوا انتمائي…
ما زلت هنا… أحمل ذاكرتي لا كعبء فقط، بل كشهادة. أحمل ألمي لا كضعف، بل كدليل على أن الإنسان قد يُجرح… لكنه يستطيع أن يبقى واقفاً.
لي الحق أن أقول: أنا إيزيدية… دون أن تقتلوا إيماني بنظراتكم.
إيماني ليس جريمة… هويتي ليست عاراً.
لم أعد أناشد الدول فقط… ولا أضع ندائي بين جدران المؤسسات التي قد تبقى فيها صرخات المظلومين حبيسة الأوراق والملفات.
اليوم أخاطبك أنت… أيها القارئ…
أنت أيها الإنسان… إن ما زلت تحمل في داخلك ضميراً وقلباً… إن كنت تستطيع أن ترى ألم إنسان آخر دون أن تدير وجهك.
لا أطلب منك سوى أن تسمع صوت أم فقدت جزءاً من روحها… أن ترى الإنسان قبل الاسم وأن ترى الكرامة قبل الاختلاف.
لأن الإنسانية لا تُختبر عندما نحب من يشبهنا… بل عندما نحترم من يختلف عنا.
في الثالث من آب… تذكروا الضحايا… اسندوا الناجين… افتحوا قلوبكم لصوت كل أم فقدت جزءاً من روحها.
لأن العالم لا يفقد إنسانيته يوم تقع الجريمة… بل يوم يعتاد سماعها دون أن يتحرك.
أيها العالم…
تذكروا من فقدناهم…
أنصفوا من نجوا…
اجعلوا صوت الأمهات أقوى من صوت الكراهية…
اجعلوا العدالة أقوى من النسيان…
ولتَبقَ الإنسانية اللغة الوحيدة التي تجمع البشر جميعاً.