والدا النبي ﷺ… بين الاصطفاء الإلهي وأدلة الإيمان ..

نوري جاسم.

لقد اصطفى الله سبحانه وتعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم من بين خلقه، فجعله خاتم الأنبياء والمرسلين، ورحمة للعالمين، وأعلى ذكره في الدنيا والآخرة، وربط طاعته بطاعته، ومحبته بمحبة رسوله. ولم يكن هذا الاصطفاء حادثًا عارضًا، بل كان امتدادًا لسلسلة من الاختيار الإلهي الذي شمل النسب والبيت والبيئة التي نشأ فيها سيد الخلق صلى الله تعالى عليه عليه وآله وسلم. ومن هنا نشأت مسألة والدي النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، السيد عبد الله بن عبد المطلب، والسيدة آمنة بنت وهب رضي الله عنهما، وهي من المسائل التي وقع فيها خلاف بين العلماء. وقد ذهب فريق من أهل العلم إلى القول بإيمانهما ونجاتهما، مستندين إلى أدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية وقواعد الشريعة، ورأوا أن هذا القول ينسجم مع كمال الاصطفاء الإلهي الذي أحاط بالنبي الكريم.
ومن أول الأدلة التي استدلوا بها قول الله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ۝ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: 218-219]. وقد نقل بعض المفسرين أن المراد بـ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ انتقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في أصلاب آبائه الموحدين جيلاً بعد جيل حتى أخرجه الله إلى الدنيا. وهذا التفسير وإن لم يكن تفسير جمهور المفسرين، فقد تبناه عدد من العلماء الذين رأوا أن الآية تشير إلى طهارة السلسلة التي انتقل فيها نور النبوة. ويستأنس لهذا المعنى بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل عليه السلام، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». فالحديث يبين أن اختيار الله لم يكن مقتصرًا على شخص النبي ﷺ، بل شمل السلسلة التي انتهت إليه، حتى استقر في بني هاشم، ثم في بيت عبد الله وآمنة. ومن الأدلة القرآنية كذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: 59]. وهاتان الآيتان تقرران قاعدة عظيمة من قواعد القرآن، وهي أن الله تعالى لا يؤاخذ أحدًا حتى تقوم عليه الحجة. وبناءً على ذلك، رأى القائلون بإيمان والدي النبي ﷺ أنهما كانا من أهل الفترة الذين عاشوا قبل البعثة، وأن الحكم عليهما ينبغي أن يكون في ضوء هذا الأصل القرآني. ومن الأصول التي استند إليها هذا الاتجاه أيضًا أن الله سبحانه اصطفى نبيه من خير البيوت وأشرف الأنساب، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا حتى كنت من القرن الذي كنت فيه». ويرى أصحاب هذا القول أن هذا الاصطفاء يدل على شرف النسب، وأنه لا ينفصل عن طهارة الأصل. ومن أبرز العلماء الذين دافعوا عن هذا المذهب جلال الدين السيوطي، الذي ألّف رسائل خاصة في نجاة والدي النبي ﷺ، وجمع ما وقف عليه من النصوص والآثار التي تؤيد هذا الرأي. كما رجح تقي الدين السبكي هذا الاتجاه، وناقش أدلته في مصنفاته، ومال إليه أيضًا ابن حجر الهيتمي في بعض كلامه، وعدّه قولًا معتبرًا بين أهل العلم.
ويستشهد أصحاب هذا الرأي كذلك بما روي عن عدد من السلف في تعظيم نسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الله نقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام طاهرة، وإن كان العلماء قد اختلفوا في ثبوت بعض الألفاظ الواردة في هذا الباب، مما يقتضي التمييز بين الروايات الصحيحة وما دونها.
ولا يقتصر الاستدلال على النصوص وحدها، بل يمتد إلى النظر في حكمة الاصطفاء الإلهي. فإذا كان الله سبحانه قد اختار نبيه خاتمًا للرسالات، وأكرمه بأشرف النسب، فإن القائلين بهذا المذهب يرون أن القول بإيمان والديه ينسجم مع هذا الاصطفاء، ومع ما عُرف عن الله من كمال العدل والرحمة، ولا سيما في حق من عاشوا قبل بعثة النبي ﷺ.
وقد بقي هذا الرأي حاضرًا في كتب عدد من العلماء عبر القرون، حتى صار مذهبًا معروفًا عند طائفة من أهل العلم، يدافعون عنه بالقرآن والسنة وأصول الشريعة، ويرون أن النصوص إذا جُمعت ونُظر إليها في ضوء مقاصدها العامة، فإنها تؤيد هذا الاتجاه. ويبقى الأصل الذي لا يختلف عليه المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أشرف الخلق، وأن نسبه من أشرف الأنساب، وأن الله تعالى أعلم بحقائق عباده، وهو سبحانه أعدل الحاكمين وأرحم الراحمين. ومن ثم فإن دراسة هذه المسألة ينبغي أن تكون بعلم وأدب، وتعظيم لمقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مع الالتزام بالأمانة في نقل النصوص وفهمها. وإن البحث في هذه القضية ليس بحثًا في التاريخ فحسب، بل هو تأمل في معنى الاصطفاء الإلهي، وفي عدل الله ورحمته، وفي المكانة العظيمة التي خص بها خاتم رسله محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، الذي جعله الله نورًا وهداية للعالمين، ورفع ذكره إلى يوم الدين. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .

قد يعجبك ايضا