د. نوزاد أحمد أسود
يحتل الشاعر والمفكر الكبير أدونيس مكانة استثنائية في المشهد الثقافي الكردي، تتجاوز حدود الجوار الجغرافي أو الأواصر بين الأدبين العربي والكردي. لم يُنظر إلى أدونيس في المخيال الثقافي الكردي كشاعر كبير أو رائد مؤثر بل أكثر ايثارا من رواد تحديث القصيدة العربية الحديثة فحسب، بل كرمزٍ فكري للتمرد على السائد، وحليفٍ حقيقي لحرية الشعوب وتطلعاتها الثقافية والإنسانية.
أرى أنَّ فكر أدونيس، وأطروحاته، ونتاجاته المكتوبة تُعدُّ حاجة ماسّة للثقافة الكردية، ذلك لأنَه يمارس نقدًا شاسع الأرجاء، شمولياً، يتناول البنية الفكرية العربية-الإسلامية برمّتها. إنه لا يجزّئ أركان المعرفة والثقافة، بل يراها في مشتبكها العضوي مع الفكر الديني، ولا يفصل هذا النسيج المركّب عن السلطة، وبخاصة السلطة الدينية. ومن هنا، لا يتبدّى نقده كمجرد قراءة مجتزأة للشعر، أو للفكر الاجتماعي، أو للتراث، أو للدين، أو للسلطة كل على حدة، بل يقع على هذه التمظهرات جميعها في تشابكها البنيوي.
ولما كانت ثمة قواسم مشتركة شتى تجمع بين المجتمعين الكردي والعربي -لا سيما في الأبعاد الثقافية والموروث الديني- فإن أفكار أدونيس وأطاريحه تتماسّ، في مناحٍ عديدة، مع واقع مجتمعنا وثقافتنا.
لقد كَثَّفَ أدونيس الرؤى النقدية لترسانته الفكرية حول الدين والفكر والثقافة العربية في سفره المرجعي “الثابت والمتحول”، وهو العنوان-المظلة لمشروعه النظري، والذي اندرجت تحته -بشكل أو بآخر- معظم دراساته ونصوصه النقدية اللاحقة.
يعلّمنا “الثابت والمتحول” كيف نلج التراث والشعر بعين نقدية تفكيكية، ويجلو أبصارنا لنرى التشوهات التي شابت تاريخنا. ورغم أن الكتاب يُعنى بنقد الفكر والتاريخ العربي-الإسلامي، إلا أن بإمكاننا، في الفضاء الثقافي الكردي، الإفادة منه بقدر كبير لقراءة مجتمعنا وتراثنا، إذ إن التاريخ والموروث وآليات التفكير في مجتمعنا تتقاطع، إلى حد بعيد، مع المناخ الفكري الذي يتناوله أدونيس بالتشريح.
إن جوهر أطروحة “الثابت والمتحول” هو حفرٌ في أسباب الإبداع ودواعي الاتباع (المحاكاة) في الفكر والأدب العربيين، و إنتصار الاتباع على الابداع في الأعم الأغلب. ينفذ أدونيس عبرها إلى أعمق البنى التاريخية لتلك الثقافة، مظهرًا مكامن التخلف في الفكر والأدب والمجتمع. وهو يخلص إلى أن جذر كل ركود أو عطالة فكرية وأدبية إنما يعود إلى السلطة، وإلى هيمنة الموروث الديني والتقليد اللذين يبسطان سطوتهما على مجمل الحياة والتفكير لدى الإنسان في منطقتنا هذه.
في هذا السِفر (نقصد الثابت و المتحول)، يجمع أدونيس أشتات الفكر والثقافة، فلا يقف عند الظاهرة الشعرية وحدها، ولا عند الجانب الفكري أو الديني أو الحركات الاجتماعية بمفردها، بل يصهر هذه الأبعاد جميعًا في بوثقة واحدة ويخضعها للمساءلة النقدية. في الجزء الأول، على سبيل المثال، يفحص الأنظمة السياسية في صدر الإسلام، والخلَافة، والفكر الفقهي، والشعر والنقد، ممتدًا من الشافعي والأصول الدينية-السياسية إلى ثورة الزنج وحركة القرامطة. وفي الأجزاء التالية، يتناول بالتوازي مع التيارات الشعرية: الخوارج، والمعتزلة، والغزالي، والتفاسير، والحركات اللغوية، جنبًا إلى جنب مع الرؤى النقدية عند الأصمعي والجاحظ والجرجاني وابن طباطبا وابن المعتز. ثم يقف مليًا أمام التجارب الشعرية الكبرى لأبي نواس وأبي تمام والمعري، كاشفًا عن طاقاتها الإبداعية واللغوية ورؤاها المغايرة.
في أفق أدونيس النقدي، تبدو الثقافة العربية السائدة ثقافةً متوارَثة بسيطة، والثقافة المتوارثة بطبيعتها ثقافة سكونية (ستاتيكية) جامدة. ومن هنا ينشأ تحالف عضوي بين المكونين (الديني-السياسي) من جهة، و(الثقافي) من جهة أخرى، ليمسي المعمار المعرفي الديني هو المعيار الوحيد للثقافة العامة.
غالبا ما تبدي إعجابا كبيرا بكاتبٍ ما في مرحلةٍ من حياتك، تقرأ له، وتتمنى لقاءه ومحاورته عن قرب. لكن نادراً ما يحدث أن تزداد محبةً وإعجاباً بكاتبٍ بعد أن تتعرف عليه وجهاً لوجه. وأدونيس -في تقديري- من طينة أولئك الكتاب الذين تزداد بهم شغفاً كلما دنوت منهم. أقرأ لأدونيس منذ أكثر من أربعين عاماً، وكنت دوماً معجباً بطروحاته وفكره، وتقتُ إلى التواصل معه. وفي زيارته الى إقليم كردستان العراق في نيسان 2009، حالفني الحظ بأن رافقته لأسبوع كامل، فاستحال إعجابي به وبكتاباته إلى مودة أعمق، إذ وجدتُ فيه -فضلاً عن كونه مفكراً كونياً وقامة أدبية سامقة- إنساناً في غاية الدماثة، والانفتاح، والدفء، والدعابة.
يستثمر أدونيس الصداقة سريعاً، فما إن يلمس فيك تحرراً من التعصب الديني أو القومي وتلقائيةً في الحوار، حتى يبادرك بالقرب والود. وخلال إقامته التي امتدت نحو أسبوعين، غدا صديقاً لعدد واسع من القراء والكتاب والمثقفين الكرد، وكان أريحيّاً ومغتبطاً بما لمسه لدى النخبة الكردية من انفتاح وتحلل من الأيديولوجيات الضيقة.
لم أرَ في حياتي كاتباً يجمع بين هذا الثراء المعرفي، واللطف، والتواضع، والقدرة على مصادقة الشباب دون أية عقد نرجسية، حتى حين تخالفه الرأي أو تنتقده، يصغي إليك بهدوء أثير، ويجيبك بنفس السكينة.
كانت تلك الزيارة التاريخية لأدونيس ذات أثر مفصلي، سواء بالنسبة لنا إذ أنارت معرفتنا به عن قرب، أم بالنسبة لأدونيس نفسه الذي أتاحت له فهم أهل كردستان والإنسان الكردي على نحو أكثر جلاءً. وقد أثمرت الزيارة عن إنجازه قصيدة مطولة بعنوان “جذر السوسن”(*)، وهي وثيقة شعرية نادرة في تاريخ الأدب العربي الحديث، إذ قلّما كتب شاعر عربي عن الشعب الكردي بذاك القدر من الصدق والعمق والإجلال (**).
اختار أدونيس زهرة السوسن رمزا للشعب الكردي، والسوسن زهرة متعددة الأشكال تتألق باللون البنفسجي والأوراق العريضة، وتضرب بجذورها عميقاً في الأرض. زهرة معمرة قد يبلغ طولها متراً بصلابتها وساقها. وفي الإغريقية، تعني الكلمة “قوس قزح”. تتفتح سريعاً وتنتشر، وحين تعصف بها الرياح العاتية في المواسم القاسية، قد تذبل وتتساقط أوراقها، لكنها لا تموت بفضل جذورها الراسخة، فسرعان ما تنبعث بعد العاصفة و تعود الى الحياة بنفس البهاء والألق. لقد اتخذها أدونيس أيقونة ترمز لصمود الشعب الكردي بوجه المحن.
إن قصيدة “جذر السوسن”، فضلاً عن كونها انتصاراً للحق الكردي وقضيته العادلة، جاءت رداً مباشراً وصارماً على أولئك النخب العربية التي اعترضت على زيارته لكردستان، وهاجمته بالصخب والشتائم في الصحف والمواقع الإلكترونية.
شكلت زيارة الشاعر والمفكر أدونيس إلى إقليم كردستان العراق في نيسان/أبريل 2009 محطة ثقافية بارزة أثارت زوبعة من النقاشات والسجالات المحتدمة في الوسط الثقافي العربي والكردي على حد سواء، وجاءت هذه الزيارة بدعوة من مؤسسة كلاويز الادبية و الثقافية في الإقليم، وشملت الزيارة مدناً بارزة مثل السليمانية وأربيل، بالإضافة إلى زيارته لمدينة حلبجة. أقام أدونيس، خلال الزيارة، عدة ندوات وأمسيات شعرية وفكرية شهدت حضوراً واسعاً من المثقفين والأدباء الكرد و العرب القادمين من بغداد. كذلك زار الشاعر مدينة حلبجة استذكاراً لضحايا القصف الكيميائي الذي تعرضت له المدينة عام 1988. التقى خلال زيارته بالشخصيات السياسية والثقافية الكردية و العربية، وفي مقدمتهم الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني.
رأى أدونيس في الثقافة الكردية مكوّناً أصيلاً وغنياً من مكونات الحضارة المشرقية. ولم يتعاطَ مع الشعر والفكر الكردي ك”آخر”، بل كشريك في الجغرافيا والتاريخ والمعاناة من خلال محاضراته في جامعات إقليم كردستان العراق و في الفعاليات الثقافية و الأدبية التي أقيمت له هناك، أتاح حضور أدونيس للمثقفين الكرد منفذاً للحوار الجاد مع أحد أكبر المجددين في حركة الشعر العربي المعاصر.
مثّل أدونيس بالنسبة للثقافة الكردية رمزاً للتعايش الفكري والانفتاح الجمالي، فهو لم يكتفِ بكونه ملهماً لحركة الشعر الكردي الحديث، بل كان، بصوته وحضوره، جسراً متيناً يعزز التلاقح والتسامح بين الثقافتين العربية والكردية.
(*) نُشرت قصيدة “جذر السوسن” اولا في صحيفة (الحياة) اللندنية بتاريخ 4/6/2009، و من ثم في جريدة (الصباح) العراقية بتاريخ 10/6/2009، وفي مجلة (سردم العربي) الصادرة في مؤسسة سردم للطباعة و النسر في مدينة السليمانية، في عددها ال 25 صيف 2009، وفي مجموعته المعنونة (فضاء لغبار الطلع) ضمن سلسلة كتاب مجلة (دبي الثقافية)، عدد سبتمبر 2010.
(**) قمتُ والشاعر طلعت طاهر بترجمة قصيدة (جذر السوسن) إلى اللغة الكردية، ثم أصدرناها في كتاب مستقل. وقد كتبتُ مقدّمة موسعة حول زيارة أدونيس لكردستان، نُشرت مع النص الكامل للقصيدة باللغتين العربية والكردية. خصصتُ لاحقاً، في العدد (25) صيف 2009 من مجلة (سردم العربي) حيث كنتُ أدير تحريرها، ملفاً خاصاً عن أدونيس، نشرنا فيه، الى جانب مقالات و حوارات، نصاً كتبه أدونيس عن القصف الكيميائي لحلبجة إثر زيارته للنصب التذكاري هناك.