كيف نجت الكينونة الكوردية من فخ “الدولة-الأمة” في لوزان 1923؟

د.خليل مصطفى عثمان

تستغرق معظم الأبحاث والمقالات التاريخية في توصيف معاهدة لوزان (24 تموز/يوليو 1923) باعتبارها لحظة “إحباط جيوسياسي” أو “جريمة تقسيم استعمارية” حُرم فيها الكورد من حقهم الحقوقي والتاريخي في إقامة دولتهم الوطنية. غير أن تفكيك لوزان عبر منظار جينالوجيا المفاهيم السياسية (Genealogy of Concepts) يُفضي إلى أطروحة مغايرة تماماً لما استقرت عليه الأدبيات السياسية والأكاديمية: لوزان لم تكن مجرد هندسة قسرية للحدود، بل كانت لحظة “إنقاذ غير مقصودة” للكينونة الكوردية من الوقوع في الفخ الهيكلي لنموذج “الدولة-الأمة” الاستبدادية التي خنقت باقي شعوب الشرق الأوسط.
إن الفرضية التأسيسية التي غفلت عنها أكثر البحوث عمقاً تتلخص في أن نموذج “الدولة-الأمة” الذي صُدِّر إلى المنطقة عبر معاهدتي فرساي ولوزان لم يكن أداة للتحرر، بل كان “أداة ضبط وهيمنة أيديولوجية” تتطلب بطبعها مجتمعاً أحادي اللون، وتحتكر العنف، وتعتمد صهر الهويات المتنوعة شرطاً أساسياً لشرعيتها.
وفي الوقت الذي وُلدت فيه دول مثل تركيا الحديثة، وسوريا، والعراق، وهي تحمل في جيناتها التأسيسية ضرورة اختلاق “هوية قسرية” أدت بها لاحقاً إلى الاستبداد والانهيار الهيكلي، بقي الكورد خارج هذا القفص المفاهيمي؛ حيث لم تتلوث كينونتهم الجماعية بآفة “احتكار العنف” باسم السلطة المركزية.
لقد مارست لوزان شطباً نصياً كاملاً للهوية الكوردية عبر البنود (37-45) المحتكرة لتعريف الأقليات بالدين دون القومية، وأسقطت كلمة “كورد” من أوراقها الـ 143. غير أن هذا الشطب، من منظور فلسفة البقاء السياسي، حَمَى المجتمع الكوردي من التحول إلى “مجتمع مجزأ سلطوياً”؛ فلم ينشأ لدى الكورد جهاز دولة قمعي يُمارس العنف الذاتي ضد مكوناته الداخلية أو جيرانه باسم “الحفاظ على النظام القومي”، بل صاغت الأمة الكوردية استراتيجيات بقائها السياسية على قاعدة الشفافية المجتمعية والتضامن العابر للحدود، مما منحها مرونة شبكية استثنائية تجعلها اليوم أكثر تكيفاً مع عصر “عالم ما بعد الدولة الوطنية” من الكيانات المركزية الهشة التي رسمتها لوزان.
وحتى على مستوى مفهوم الجغرافيا، أدى هذا المحو النصي إلى تحويل الجغرافيا الكوردية من مجرد مساحة حدودية مغلقة ذات سيادة وستار حديدي إلى “فضاء شبكي عابر للسيادات”. أصبحت الجبال والروابط الاجتماعية الكوردية تشكل بنية تحتية موازية تتحدى خطوط التقسيم الاستعمارية وتخترقها يومياً، مما جعل مفهوم السيادة لدى الدول الأربع مفهوماً استعراضياً وهشاً في كل مرة يتحرك فيها الفاعل الكوردي الميداني.
إن لوزان، في أعمق صورها التحليلية، كانت محاولة استعمارية لـ “أنطولوجيا الإلغاء”، إلا أن النتيجة التاريخية كانت عكسية تماماً؛ إذ إن حرمان الكورد من نموذج “الدولة-الأمة” في القرن العشرين حال دون ذوبانهم في قوالب السلطة الشمولية، وجعلهم الأمة الوحيدة في المنطقة التي تجسد مفهوم “الهوية المتجددة كفعل مقاومة يومي”. لقد أغلقت لوزان باب الرسميات، لكنها فتحت بالخطأ باب التاريخ الكوردي على أفق أكثر اتساعاً وعصيّةً على المحو.

قد يعجبك ايضا