كاوه عبان
سفير فوق العادة لمنظمة امسام الاممية
ليست جميع الحكومات تُقاس بعدد السنوات التي تمضيها في السلطة بل بما تتركه من أثر في حياة الناس وبما تنجزه من مشاريع قادرة على الصمود أمام الزمن وفي عالم السياسة والإدارة يبقى القادة الحقيقيون هم أولئك الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر بل يعملون على صناعة المستقبل.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة مشروع «ازدهار» الذي أطلقه رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني ليس بوصفه مبادرة اقتصادية فحسب بل باعتباره جزءاً من رؤية تنموية متكاملة تسعى إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الكوردستاني على أسس أكثر قوة واستدامة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
فعندما تسلم السيد مسرور بارزاني مسؤولية رئاسة الحكومة كانت المنطقة تواجه تحديات معقدة على المستويات الاقتصادية والمالية والسياسية إلا أن منهجه لم يقم على إدارة الأزمات فقط بل على تحويل التحديات إلى فرص والانطلاق نحو مرحلة جديدة من البناء والإصلاح والتنمية.
وخلال السنوات الماضية شهد إقليم كوردستان نهضة واضحة في مشاريع البنية التحتية والطرق والجسور والخدمات العامة والتحول الرقمي وتطوير المؤسسات الحكومية في رؤية هدفت إلى بناء بيئة اقتصادية أكثر جاذبية للاستثمار وأكثر قدرة على استيعاب الطاقات الشابة.
وفي قلب هذه الرؤية جاء مشروع «ازدهار» ليعكس إيمان الحكومة بأن الثروة الحقيقية لأي وطن ليست النفط ولا الموارد الطبيعية وحدها بل الإنسان نفسه فالاستثمار في الشباب وتمكينهم اقتصادياً هو الاستثمار الأكثر ربحاً والأكثر استدامة على المدى البعيد.
لقد أدرك السيد مسرور بارزاني مبكراً أن الاقتصادات الحديثة لا تُبنى على الوظائف الحكومية وحدها وأن قوة الدول في القرن الحادي والعشرين تُقاس بحجم قطاعها الخاص وقدرتها على تشجيع المبادرات الفردية وريادة الأعمال لذلك جاءت مبادرة «ازدهار» لتمنح الشباب وأصحاب المشاريع الصغيرة فرصة الانتقال من مرحلة البحث عن العمل إلى مرحلة صناعة العمل.
إن الفلسفة التي يقوم عليها المشروع تتجاوز مفهوم القرض أو التمويل التقليدي لأنها تقوم على بناء ثقافة اقتصادية جديدة تؤمن بأن المواطن قادر على أن يكون شريكاً في التنمية لا مجرد مستفيد منها وأن القطاع الخاص يجب أن يتحول إلى محرك أساسي للنمو الاقتصادي في كوردستان.
ولم يكن اختيار اسم «ازدهار» أمراً عابراً، بل يحمل دلالة عميقة تعكس طموح مرحلة كاملة فالازدهار لا يعني زيادة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية فقط بل يعني ازدهار الإنسان، وازدهار الفرص، وازدهار المدن، وازدهار الأمل لدى الشباب الذين يتطلعون إلى مستقبل أكثر استقراراً وإنتاجاً.
ومن يتابع مسيرة الكابينة ال9 يلاحظ بوضوح أن مشروع «ازدهار» لم يأتِ منفصلاً عن بقية المشاريع الاستراتيجية التي أطلقتها الحكومة بل جاء مكملاً لمسار إصلاحي وتنموي واسع شمل تطوير البنية التحتية، وتوسيع شبكة الطرق الحديثة، وتعزيز الخدمات الإلكترونية، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، ودعم القطاعات الإنتاجية المختلفة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في تحقيق القفزات الاقتصادية الكبرى لم تعتمد على الإنفاق الحكومي وحده بل ركزت على إطلاق طاقات المجتمع وتمكين القطاع الخاص وهذا ما تسعى إليه حكومة إقليم كوردستان اليوم من خلال بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وأكثر قدرة على خلق فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة.
إن ما يميز قيادة السيد مسرور بارزاني هو أنها تنظر إلى التنمية باعتبارها مشروعاً وطنياً طويل الأمد لا برنامجاً انتخابياً مؤقتاً ولذلك فإن العديد من المشاريع التي أطلقت خلال السنوات الماضية لم تكن تهدف إلى معالجة مشكلات آنية فقط بل إلى وضع الأسس التي سيبنى عليها اقتصاد كوردستان لعقود مقبلة.
وفي زمن تتنافس فيه الدول على جذب الاستثمارات والعقول والكفاءات، فإن كوردستان بحاجة إلى مثل هذه الرؤى الاستراتيجية التي تجمع بين الاستقرار والتنمية والإصلاح ومشروع «ازدهار» يمثل أحد أبرز النماذج التي تجسد هذا التوجه لأنه يضع الإنسان في مركز العملية التنموية ويمنحه الأدوات التي تمكنه من النجاح والإبداع والإنتاج.
لقد نجحت كوردستان في ترسيخ الأمن والاستقرار وسط منطقة مضطربة وتسعى اليوم إلى ترسيخ نموذج اقتصادي وتنموي أكثر تقدماً وفي هذا المسار، يبرز السيد مسرور بارزاني كأحد أبرز القادة الذين راهنوا على التنمية بوصفها الطريق الأقصر نحو بناء مستقبل أقوى وأكثر ازدهاراً.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات بل بالمشاريع ولا تُصنع النهضة بالأمنيات بل بالرؤية والعمل والإرادة ومشروع «ازدهار» هو أحد الشواهد الحية على رؤية تؤمن بأن مستقبل كوردستان يبدأ من الإنسان وينمو بالمشروع ويكتمل بالازدهار.