عرفان الداوودي
لم يكن الجنرال الخالد ملا مصطفى البارزاني مجرد قائد عسكري قاد ثورة، بل كان مدرسةً في القيادة والأخلاق والتضحية، ورمزاً وطنياً آمن بأن كرامة الشعوب أغلى من المناصب، وأن القائد الحقيقي هو من يخدم شعبه قبل أن يطلب منهم الولاء.
ومن أبلغ ما قاله في كلمته أمام قادة البيشمركة ومسؤولي الحزب الديمقراطي الكوردستاني بتاريخ 15 نيسان 1967، إنه أكد: ((أن كل حركة وثورة في العالم وجدت من أجل خدمة الشعب، وليس لخدمة الأفراد أو تحقيق المصالح الشخصية)). ولذلك شدد على أن يضع جميع المسؤولين مصلحة الشعب نصب أعينهم، وأن يتجاوزوا الأنانية وحب الذات، وأن ينفذوا كل عمل يخدم المواطنين حتى وإن لم يحقق لهم منفعة شخصية.
لقد كان البارزاني الخالد يرى أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من مال أو جاه، بل بما يقدمه لشعبه. وكان يقول: ((إن الثروة إذا لم تُسخر لخدمة الناس فإنها تتحول إلى سبب للفساد والرذيلة، أما الشرف الحقيقي فيُصنع بالتضحية والإيثار وخدمة المجتمع)).
كما أكد أن: ((التاريخ لا يخلد أسماء الذين عاشوا في الترف والنعيم، بل يحفظ أسماء الرجال الذين تحملوا المشاق، وصبروا على المحن، وناضلوا من أجل حرية وكرامة شعوبهم)). فالعظماء لا يصنعهم المال، وإنما تصنعهم المواقف والمبادئ.
وكانت قمة تواضعه تتجلى في قوله:
((لقد أخبرتكم آلاف المرات بأنني أخدم أصغرنا، إنني لست رئيس أحد، ولا أريد رئاسة أحد، بل أريد أن أكون أخاً لكم وأخدمكم)).
هذه الكلمات تختصر فلسفة ملا مصطفى البارزاني في القيادة؛ فقد كان يؤمن أن المسؤولية تكليف وليست تشريفاً، وأن القائد الحق هو خادم لشعبه، لا متسلط عليه.
لقد رحل الجسد، لكن المبادئ بقيت، وما زالت كلمات البارزاني الخالد تمثل درساً لكل مسؤول وسياسي، بأن الأوطان تُبنى بالإخلاص، وأن خدمة الشعب هي الطريق الوحيد إلى المجد، وأن التاريخ لا يخلد إلا أصحاب المبادئ الذين قدموا مصلحة الأمة على مصالحهم الشخصية.
رحم الله الجنرال الخالد ملا مصطفى البارزاني، الذي سيبقى اسمه منقوشاً في سجل العظماء، ورمزاً للتضحية والوفاء والقيادة الحكيمة، ومثالاً خالداً لكل من يؤمن بأن الشعب هو مصدر الشرعية والغاية الأولى لكل ثورة ولكل مسؤول.