الدخول الشامل: قرار يكسب الأصوات ويخسر الأجيال

د. محمد صديق خوشناو

بصفتي عضواً سابقاً في مجلس النواب العراقي خلال الدورة النيابية الخامسة، فوجئت بقراءة خبر جمع تواقيع نيابية للمطالبة بإقرار الدخول الشامل لطلبة الثالث المتوسط والسادس الإعدادي. ولم تكن مفاجأتي لأن من حق النواب تقديم المبادرات، بل لأن القضية تتعلق بمستقبل التعليم في العراق، وهو ملف يجب أن يُدار بعقل الدولة لا بمنطق الشعبوية وكسب التعاطف الجماهيري.

إن جمع التواقيع لإقرار الدخول الشامل لا يمثل معالجة حقيقية لمشكلات التعليم، بل يعكس توجهاً مقلقاً نحو اللجوء إلى قرارات استثنائية لمعالجة أزمات تحتاج إلى إصلاح جذري. فالتعليم لا يُصلح بتجاوز المعايير الأكاديمية أو تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وإنما بإصلاح المناهج، وتأهيل المعلمين، وتحسين البيئة التعليمية، ومعالجة الأسباب الحقيقية لتراجع المستوى العلمي.

إن احترام الطالب لا يكون بمنحه نجاحاً لا يستند إلى استحقاق علمي، بل بتوفير الظروف التي تساعده على النجاح الحقيقي. فالطلبة بحاجة إلى تعليم نوعي، ومناهج حديثة، ومدارس مؤهلة، لا إلى حلول مؤقتة قد تمنح راحة آنية لكنها تضعف قيمة الشهادة العراقية وتزيد من صعوبة المرحلة الجامعية وسوق العمل لاحقاً.

إن أخطر ما في هذه الدعوات أنها ترسخ ثقافة مفادها أن النجاح يمكن أن يتحقق بالضغط السياسي لا بالاجتهاد والكفاءة. وهذه رسالة خطيرة لا ينبغي أن تصدر من السلطة التشريعية التي يفترض بها حماية مستقبل الأجيال، ووضع السياسات التي ترفع مستوى التعليم لا التي تضعف معاييره.

إن مسؤولية مجلس النواب ليست اتخاذ قرارات ترضي الشارع لفترة قصيرة، وإنما تشريع القوانين التي تنهض بالعملية التعليمية، ومراقبة أداء المؤسسات المختصة، وتوفير مستلزمات الإصلاح الحقيقي. فالقرار الذي قد يحقق مكسباً سياسياً آنياً، قد يترك أثراً سلبياً عميقاً على مستقبل الوطن لسنوات طويلة.

فالأوطان لا تُبنى بقرارات شعبوية، ولا تُصان هيبة الدولة بالتنازل عن المعايير. إن مستقبل العراق يبدأ من المدرسة، ومن يحافظ على جودة التعليم يحافظ على مستقبل الوطن، أما من يجعل التعليم وسيلة لكسب الأصوات، فقد يكسب معركة سياسية عابرة، لكنه يخسر جيلاً كاملاً.

قد يعجبك ايضا