كُرسّيان…وحياةٌ تتهاوى

مصطفى طارق الدليمي

لم أكن ذاهباً إلى المطعم بحثاً عن قصة أكتبها وإنما عن ساعة هادئة بعد يوم طويل لكن بغداد كعادتها تخبئ حكاياتها في أكثر الأماكن بساطة
على إحدى الطاولات كانت عائلة توشك أن تنهار أمام أعين الغرباء امرأة دخلت بخطوات سريعة وما إن رأت زوجها يجلس مع فتاة أخرى حتى انفجر المكان بالصراخ في ثوانٍ انقلبت الطاولة وتناثرت الأطباق وتحول المطعم إلى دائرة تجمع حولها الناس بين من يحاول التهدئة ومن يراقب المشهد بصمت
الموقف كان مؤلماً بما فيه الكفاية لكن الأكثر إيلاماً أن الزوج مدّ يده على زوجته أمام الجميع عندها تغيرت نظرات الحاضرين ماعاد الأمر خلافاً عائلياً انما قضية مست كرامة امرأة أمام عشرات الأشخاص
في تلك اللحظة نهض رجل كبير في السن من مكانه وتوجه إلى الزوج قائلاً بلهجة عراقية صادقة ” أهذه رجولة؟ ” استحي…المرة ما تنضرب لم يحتاج إلى خطبة طويلة فهذه الكلمات كانت كافية لتعيد إلى المشهد شيئاً من هيبة القيم التي تربى عليها العراقيون
أكثر ما لفت انتباهي أن الزوجة وهي تصرخ وارتجت القاعة بصوت الزوجة وهي تصيح بملء حنجرتها “يا خاين اشهدوا عليه يا ناس هذا الخاين” كانت تطلب من الحاضرين أن يشهدوا لم تكن تبحث عن متفرجين انما عن ضمير يسمعها كانت تريد أن تقول إن ما جرى لا يجوز أن يبقى حبيس أربعة جدران وإن الظلم حين يقع أمام الناس يصبح شهادة في أعناقهم
خرج الجميع بعد دقائق وعاد النادلون إلى ترتيب الكراسي وكأن شيئاً لم يحدث لكن الحقيقة أن شيئاً كبيراً حدث ليس في ذلك المطعم فقط انما في طريقة تعاملنا مع العلاقات ومع الغضب ومع المرأة ومع معنى الرجولة
عدت وأنا أفكر أن الحادثة لم تكن قصة زوج وزوجة بقدر ما كانت مرآة للمجتمع ففي الوقت الذي رأينا فيه يداً ترتفع على امرأة رأينا أيضاً رجلًا مسناً يرفض أن يصمت وبين المشهدين تتحدد صورة المجتمع قيم تتراجع وقيم أخرى لا تزال تقاوم كي لا تختفي
بقي مشهد الرجل السبعيني الأكثر حضوراً في ذهني فقد ذكّرني بأن المجتمع العراقي على ما مرت به من تحولات ما زالت تحتفظ بشيء من قيمها القديمة قيم ترى أن الوقوف إلى جانب المظلوم واجب وأن احترام المرأة ليس شعاراً وإنما سلوك يظهر في لحظة يحتاج فيها الإنسان إلى كلمة حق أكثر من أي شيء آخر.

قد يعجبك ايضا