الفوضى الرقمية.. عندما يتحول التضليل إلى سلاحٍ لزعزعة استقرار كوردستان

أحمد زبير باني

في عصرنا الحالي، لم تعد معارك الأمم تُخاض فقط في الميادين العسكرية أو عبر المنابر السياسية التقليدية، بل انتقلت إلى ساحة أكثر اتساعًا وتعقيدًا، هي ساحة الفضاء الرقمي. فقد أصبح هذا الفضاء ميدانًا جديدًا للتنافس والصراع، تُستخدم فيه المعلومات والصور والمحتوى الرقمي للتأثير في الرأي العام، وتشكيل المواقف، وإعادة صياغة الوعي الجمعي. وفي إقليم كوردستان، يبرز اليوم تحدٍ متنامٍ يتمثل في اتساع مظاهر الفوضى الرقمية التي تستهدف وعي المواطن، وتسعى إلى النيل من استقرار الإقليم عبر حملات التضليل والتحريض، ونشر محتوى يتنافى مع قيم المجتمع الكوردي الأصيلة.

ولا يقتصر هذا التحدي على كوردستان وحدها، بل أصبح التضليل الرقمي إحدى أبرز أدوات التأثير في المجتمعات حول العالم. غير أن المجتمعات التي تمر بظروف سياسية واقتصادية وأمنية حساسة تكون أكثر عرضة لتداعياته، إذ يسهل استغلال الانقسامات الداخلية وتحويلها إلى أدوات لإضعاف الثقة بالمؤسسات وإرباك الرأي العام.

إن المتابع للمشهد الرقمي يلحظ وجود حملات إلكترونية منسقة وصفحات مجهولة المصدر تعمل بوتيرة متزامنة، بما يثير تساؤلات حول أهدافها والجهات التي تقف وراءها. ولا تبدو هذه التحركات عفوية، بل توحي بوجود أجندات تستغل الانقسامات الاجتماعية والسياسية لإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسساته، بما يخدم مصالح أطراف لا تنظر بعين الرضا إلى استقرار إقليم كوردستان وتجربته السياسية.

وتعتمد هذه الحملات على استراتيجية «التفكيك من الداخل»؛ فبدلًا من المواجهة المباشرة، يجري التركيز على نشر المحتوى منخفض الجودة، والترويج لمواد تستنزف وقت الشباب واهتمامهم، بالتزامن مع حملات منظمة لنشر الأخبار الزائفة (Fake News)، التي تستهدف الشخصيات العامة ومؤسسات الإقليم، وتضخم الأزمات، وتغذي الشكوك، وتضعف الثقة بالمؤسسات. كما تسعى إلى تحويل التباينات الطبيعية في أي مجتمع إلى صراعات حادة، وإحياء النعرات المناطقية والحزبية تحت غطاء حرية التعبير.

وفي هذا السياق، ينبغي التأكيد على وجود فرق جوهري، قانونيًا وأخلاقيًا، بين حرية الرأي والتعبير، التي تُعد حقًا أصيلًا يجب احترامه، وبين حملات التضليل والتخريب الممنهج التي تهدف إلى زعزعة الأمن المجتمعي وتقويض الثقة بالمؤسسات. فحرية التعبير تُبنى على الحقائق واحترام القانون، بينما يعتمد التضليل على تشويه المعلومات، والتلاعب بالحقائق، وإثارة الانقسام والكراهية. وما نشهده في كثير من الأحيان يندرج ضمن ما يُعرف بـ«حرب المعلومات»، حيث تُستخدم المنصات الرقمية للتأثير في الرأي العام عبر المعلومات المضللة والمحتوى الموجَّه.

إن مواجهة هذه التحديات لا تقتصر على الجوانب الأمنية أو العسكرية، بل تبدأ من وعي الفرد أمام شاشة هاتفه، لأن كل مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي أصبح جزءًا من منظومة تداول المعلومات، سواء كان يدرك ذلك أم لا. ومن هنا، تقع المسؤولية على عاتق الجميع؛ أفرادًا، ومؤسسات، وإعلاميين، من خلال:

1. تعزيز التربية الإعلامية: بترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات قبل نشرها أو تداولها، وعدم الانجرار وراء الشائعات أو “الترندات” والحملات المشبوهة.
2. تمكين دور النخب والإعلام: عبر تفنيد الإشاعات استنادًا إلى الحقائق، وتقديم محتوى مهني يعزز الوعي، ويدعم قيم الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي، ويشجع الحوار المسؤول.
3. تطوير الإطار القانوني: من خلال سن وتفعيل تشريعات تواكب التحديات الرقمية، وتتصدى لحملات التضليل المنظمة، مع الحفاظ على جوهر الحريات الأساسية وحرية التعبير، باعتبارهما ركيزتين لأي مجتمع ديمقراطي.

ختامًا، أثبتت كوردستان، عبر محطات تاريخية عديدة، قدرتها على تجاوز التحديات بفضل تماسك مجتمعها وإرادة أبنائها. واليوم، لا تقل معركة الوعي أهمية عن أي معركة أخرى، لأن حماية الفضاء الرقمي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حماية الأمن المجتمعي والاستقرار. وستظل قوة المجتمع مرهونة بقدرته على التمييز بين الحقيقة والتضليل، والتمسك بقيمه ووحدته، وترسيخ ثقافة التفكير النقدي والمسؤولية في التعامل مع المعلومات. فبوعي المواطنين، وتكاتف المؤسسات، وتعزيز الإعلام المهني، يمكن بناء حصانة مجتمعية قادرة على مواجهة حملات التضليل، وصون أمن كوردستان واستقرارها، وترسيخ الثقة بين المجتمع ومؤسساته، بما يضمن مستقبلًا أكثر أمنًا واستقرارًا للأجيال القادمة.

قد يعجبك ايضا