محمد علي محيي الدين
في ذاكرة الثقافة العراقية الحديثة يبرز اسم حارث طه الراوي بوصفه أحد أولئك الذين جمعوا بين صرامة القانون ورهافة الأدب، وبين انضباط الوظيفة وحرية الإبداع، حتى غدا حضوره أقرب إلى صورة المثقف الشامل الذي عاش بين المكتبة والمحكمة، وبين النص الأدبي وهاجس التوثيق. وُلد في بغداد عام 1929 في بيئة حضرية كانت تتشكل فيها ملامح الدولة العراقية الحديثة، وتتشابك فيها التحولات الاجتماعية مع بدايات الوعي الثقافي المؤسسي.
اختار منذ بداياته طريق الدراسة القانونية، فالتحق بكلية الحقوق في بغداد وتخرج فيها عام 1954، في مرحلة كانت فيها البلاد تمر بتحولات سياسية وفكرية عميقة، جعلت من دراسة القانون أكثر من مجرد تخصص مهني، بل نافذة لفهم بنية المجتمع وآليات الدولة. غير أن ميوله لم تتوقف عند حدود المحاماة، إذ سرعان ما اتجه إلى العمل الثقافي والإداري، ليبدأ مساراً موازياً في عالم الكتب والمعرفة.
تنقل الراوي بين مواقع ثقافية وإدارية متعددة داخل المؤسسات العراقية، فشغل منصب أمين مكتبة المجمع العلمي العراقي، ثم مديراً للمكتبات، ومديراً للتأليف والترجمة والنشر، وصولاً إلى إدارة المكتبة الوطنية. هذه المناصب لم تكن وظائف إدارية فحسب، بل كانت امتداداً طبيعياً لشخصيته التي وجدت في الكتاب عالمها الحقيقي، وفي تنظيم المعرفة رسالة لا تقل أهمية عن ممارسة القانون.

وفي موازاة عمله المؤسسي، انخرط في الصحافة الثقافية، فكان مديراً لتحرير مجلة “المورد”، حيث كتب مقالات في الأدب والفكر، وشارك في صياغة خطاب ثقافي يعكس اهتمامه بالتوثيق الأدبي وبالذاكرة العراقية. وقد أتاح له هذا الموقع أن يكون قريباً من الحركة الأدبية العراقية، شاهداً وفاعلاً في آن واحد، على تطور السرد والشعر والنقد في البلاد.
لم يكن الراوي موظفاً ثقافياً تقليدياً، بل كان أيضاً كاتباً وشاعراً، أصدر ديوانين شعريين هما “تباريح” و“رباعيات”، تميزت نصوصهما بنبرة وجدانية تأملية، تميل إلى استحضار الذات في مواجهة الزمن والذاكرة. كما كتب في السيرة والقراءة الأدبية، فصدر له “أمين الريحاني” و“مع الشعراء” و“من ذكرياتي الأدبية”، وهي نصوص تمزج بين التوثيق والانطباع الشخصي، وتعكس اهتمامه بتسجيل تفاصيل الحياة الثقافية العراقية والعربية.
كان الراوي يرى في الكتابة شكلاً من أشكال حفظ الذاكرة، وفي التوثيق الأدبي امتداداً لدور المثقف الذي لا يكتفي بالإبداع، بل يسعى إلى حماية التجربة الثقافية من النسيان. ومن هنا جاءت أعماله أقرب إلى شهادات حيّة على مرحلة من تاريخ الأدب العراقي، عاشها من الداخل، وشارك في صناعتها عبر عمله الإداري والثقافي والصحفي.
شارك في العديد من المؤتمرات الأدبية داخل العراق وخارجه، وكان عضواً في نقابة المحامين واتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، ما يعكس ازدواجية حضوره بين المجالين القانوني والأدبي. وقد أحيل إلى التقاعد عام 1983، لكنه ظل قريباً من الوسط الثقافي، مشاركاً في الفعاليات الأدبية ومتابعاً للحركة الفكرية حتى سنواته الأخيرة.
في أكتوبر عام 2014، رحل حارث طه الراوي في أبو ظبي، تاركاً وراءه سيرة تجمع بين الإدارة الثقافية والإبداع الأدبي، وبين ذاكرة المؤسسة وحرية النص. وقد بقي اسمه مرتبطاً بمشروع ثقافي هادئ، لا يقوم على الصخب أو الادعاء، بل على العمل التراكمي الذي يجعل من الكتاب مركزاً للحياة والمعنى.
إن تجربة الراوي تكشف عن نموذج للمثقف العراقي الذي لم يفصل بين الوظيفة والمعرفة، وبين الإدارة والكتابة، بل جعل من كل ذلك مساراً واحداً يخدم فكرة أوسع: أن الثقافة ليست إنتاج نصوص فقط، بل بناء ذاكرة، وصيانة تراث، وفتح نافذة دائمة على الحياة الفكرية في تحولاتها المتعددة.