فاضل ميراني*
لا يصح في الاحداث العامة ان تعمم الرواية الشخصية التي تختصر او تستفيض والتي تعكس دوافع المستفيد لتكون جوابا مقنعا يجيز ما حدث.
ما وقع في ١٤ تموز ١٩٥٨ هو تحرك عسكري داخلي انهى ٣٧ سنة من الحكم الملكي، ليصبح العراق جمهورية بقرار سياسي عسكري.
كنت في العاشرة من عمري وقت اطاح قاسم و مجموعته بفيصل الثاني، و بعدها بسنوات قليلة اصبحت بيشمرگة في الحزب الديمقراطي الكوردستاني حتى اليوم.
ليس اضطراب السلطة في العراق الا نتيجة متصلة بسنة انهاء الملكية، فقد تم انهاء العمل النيابي بنفس يوم انهاء نظام فيصل، ثم عاد بصيغة المجلس الوطني سنة ١٩٨٠ بصفته نظاما تابعا لمجلس قيادة الثورة.
ولئن وضع نظام ١٩٥٨ مادة تخص شراكة الكورد، فإن كتابة الدستور شيء و تطبيقه شيء، اذ ان المكسب لن يكون بصفته اذا تم تعطيله.
قال الذين وصلوا للحكم انهم يريدون انهاء التبعية العراقية للخارج، و قد حدث ان تم من ذلك شيء، لكنه قرار كانت له ردات من القوى التي رعت تحول العراق من العائدية العثمانية الى دولة كان عليها ان تستقل بعد انتداب.
قوتان واضحتان تحكمتا داخليا بتركّز في تبدلات العراق منذ انهاء النظام الملكي:
العسكر
الحزبية
ثم تضاربتا، حتى سيطرت الحزبية المنفردة على العسكر الذي لم يعد قادرا على الانقلاب و كان ذلك مع نهاية تموز ١٩٦٨.
لم تكن مهمة فيصل الاول سهلة لا له و لا لحكومة بريطانيا التي رعت المشروع التحولي الكبير في منطقة معقدة كلها و كل اجزائها، لكن فيصل في النهاية تمكن بحنكته من إحداث امور عجز عنها مدعو كره الملكية، وهنا فلابد من القول ان الواقعية و التجرد تجعل كفة ميزان فيصل في الانجاز اثقل و كفة ميزان غيره منفصلين او متصلين هي الاخف.
تغييب العمل النيابي ثم ارجاعه ليكون ملحقا بهيئة حزبية سياسية حاكمة قضية تفسر هذا التخبط المستمر لليوم في فهم العمل التشريعي.
التهام الحزبية الفردية للمؤوسسة العسكرية خوفا من تكرار اندفاعها للانقلاب، خلق مؤوسسة ضعيفة لا تصلح الا لتنفيذ معارك كان يمكن تجنبها داخليا و خارجيا.
اما الحزبية فقد مرت بتبدلات لايكاد يصدق العقل تحولاتها، فقد تلاشت احزاب كانت تشكل البداية و الحاضنة للعمل السياسي المبكر، و خمد امتداد احزاب كانت القوة الاكبر في الشارع، ثم حدث تحول الاقصاء للجميع، فكان الامتحان الاقسى و الاصعب و لم تصمد فيه الا قلة من الحركات، و حتى في صمودها فقلة من القلة تمكنت من امتحان نفسها و جمهورها و نجحت، و اقل من قلة القلة هي التي بقيت كما هي في معدنها عقب اختبار الجمهور لها يوم وصلت للحكم.
٦٨ سنة منذ اندفعت قوات لوائين في الجيش العراقي لتدخل قصر الرحاب و تنهي حياة فيصل الثاني و وصيه و خاله عبدالاله بن علي، ثم ينتحر نوري السعيد.
خلال تلك الفترة من تموز ٦٨ الى تموز الحالي، امسك اول ٣٥ سنة منها ضباط خرجتهم مدرسة العراق العسكرية هم قاسم و الاخوان عارف و احمد حسن البكر، وكلهم انقلابيون بالمعنى العسكري و السياسي، فيما شهد منتصف المسافة بين ال٣٥ سنة الاولى و متممتها من سنوات الى٢٠٠٣ بسيطرة ثنائي المنطقة و القبيلة اللذين جمعا ثنائية العسكر و الحزب، ثم لينفرد شخص ب ٢٥ سنة له وحده.
لا يمكن الجزم ايهما المضطرب، اهو العراق صعب حكمه؟ ام ان الذين يريدون حكمه ليسوا مدركين لمنصبهم؟.
اكثر حزب مُمتحنٍ هو حزبنا، فليس لحزب ان يشعل نار ثورة جماهيرية لولا حجم الضغط و ثقله اللذين وقعا على امة جرى الحاقها و ارضها بدولة حديثة التأسيس الجديد مثل الامة الكوردية.
ايلول ١٩٦١ ايام قاسم
گولان ايام الحكم الثاني للبعث
انتفاضة مابعد غزو الكويت
وقبلها و بعدها و خاصة قبلها فقد نشط البارزاني و آباؤه و رفاقه و رفاق اخوته في نضال قديم بمواجهة حكم كلما تبدل زاد من جهالته في معرفة الحقوق، حتى باتت لا تُستحصلُ الا بنزاع.
لكن القضية واضحة اذ ليس شرطا ان يستوفي صاحب الصفة متطلبات صفته، فالرئيس قد يكون رئيسا مستوفيا لشروط المنصب لكنه يفعل افاعيل من قتلنا اكثر من مرة، و الوزير قد يكون مثل الرئيس لكنه من بعد الشروط قد يكون غير مستحق للمنصب اذا ثبت عليه ما يفقده الثقة به و كذلك البرلماني و العسكري.
قد يكون مشروع العراق تعرض لمحاولات كبح خارجية، لكن ذلك ليس مبررا لجرائم الداخل التي يحمل ذنبها المستقتلون على حكم العراق من اراقة دم و محاربة حقوق و اهدار ثروات.
نعم ثمة مساحة تعاطف انساني مع اسماء لم تتلوث بسرقات و لا بنهب، لكن عفة اليد ليست معيار تفاخر اذ انها من مُسلّمات السلوك الفردي حتى بدون منصب.
الثورات الحقيقية هي التي تخلق تحولات ايجابية مجتمعية، و تؤوسس و ترعى منظومة اخلاق و سلوك فردي و جماعي، وهذه الامور لا تتحقق بالصدفة و لا بدعاية التعميم التي تعزف على عواطف الجمهور للمؤازرة و الانخراط في مشاريع التعبئة و التدجين.
ماحدث في تموز من تحول من نظام لآخر و ما رافق التحول و ما تبع ذلك لاحقا من تصادم روايات بين جماهير سياسية متحزبة و اخرى متأثرة بالقصص، ستفيد في فهم مستوى الوعي، و الحكم عليها يكون بتتبع المنجزات و كذلك الخسارات و القرارات.
ان مراجعة وثائق التاريخ لتبدلات العراق منذ تموز ٦٨ الى تموز الحالي، ستكشف تركة ضخمة من ممارسات و مشاريع و قرارات و تعطيل قرارات و هيئات، و انهار دم و ضحايا داخل مشروع اضر به اغلب قادته، و انقلب فيه رفاق على رفاقهم، و اضطر الالوف لتبديل عقائدهم و ولاءاتهم مع كل تبدل.
هذا الاضطراب و هذا التراكم و عدم مواجهة النفس هي الاسباب الاساسية التي تنتج منذ ٢٣ سنة ما يعيشه العراقيون اليوم.
وهذا رأي شخصي مدعوم بشهادة شخصية و كُتبٍ اكاديمية تم وضعها على اساس وثائق مجردة من كل حكم مسبق.