الباحث الحقوقي رنج باراوی*
لا يمثل تاريخ الشعوب مجرد سردٍ للأحداث، بل هو قراءةٌ في التحولات الكبرى التي رسمت مصائر الأمم. ومن هنا، تبرز أحداث (١٤) تموز عام ١٩٥٨ بوصفها ندبةً غائرة في ذاكرة العراق المعاصر؛ فهي لم تكن مجرد انتقالٍ من نظام ملكي إلى جمهوري، بل كانت بداية انكسارٍ في البناء المؤسساتي والاجتماعي الذي كان العراق يخطو نحوه بخطوات واعدة.
صراع الهوية والنمو: رؤية الدكتور علي الوردي:
في دراسته التحليلية العميقة (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي)، المجلد الأول، دار التوزيع والنشر، بغداد، ١٩٧٦، ص( ٤٥) يشير الدكتور علي الوردي إلى أن المجتمع العراقي ظل حبيس صراعٍ أبدي بين عقلية “البداوة” وعقلية “الحضارة”. ويضيف الوردي في ص (٥٨) من المصدر نفسه: «لقد كان العراقيون دائماً ذوي شخصية متنازعة؛ ينشدون العدل ولكنهم يندفعون نحو التمرد».
في العهد الملكي، كان العراق يبني دولة مؤسسات؛ حيث كان البرلمانيون يمثلون الأمة بصدق، لا طمعاً في مغانم أو رواتب، بل تفانياً في خدمة الصالح العام. كان القانون هو المرجع الأعلى، ولم يكن أحد فوق سلطة القضاء. لقد رضي العراقيون بشتى أطيافهم بالأسرة الهاشمية، لأنها مثلت رمزاً للوحدة الوطنية، واستطاع الملك فيصل الأول وأبناؤه انتشال العراق من حطام الحرب العالمية ليدخلوا به إلى مصاف الدول ذات السيادة.
إن ما حدث في (١٤) تموز لم يكن “ثورة” بالمعنى الإصلاحي، بل كان بداية لسلسلة من الاضطرابات التي مزقت النسيج الوطني. يرى الوردي في كتابه (سيكولوجية الفرد العراقي)، المجلد الثاني، دار البحوث، (١٩٩٢)، ص (١١٢)، أن قتل العائلة المالكة بتلك الطريقة العنيفة قد زرع “خوفاً تاريخياً” في نفوس العراقيين، مما زعزع ثقتهم باستقرار الدولة. هذا “الفراغ السياسي” الذي تلا ذلك، فتح الباب أمام الفساد المؤسسي، والطائفية، والسياسات الإقصائية التي نعيش آثارها حتى اليوم.
الملكية مقابل الجمهورية؛ أي النظامين أصلح للعراق؟
إذا أمعنا النظر في المقارنة المنطقية بين النظامين، نجد أن النظام الملكي الدستوري -وفق المعايير القانونية- يوفر “استقراراً رمزياً”؛ حيث يترفع الملك عن الصراعات الحزبية ليكون مظلةً للجميع. أما النظام الجمهوري في العراق، فقد تحول غالباً إلى ساحة للمنازعات السلطوية، حيث يغلب “الانتماء الحزبي أو المذهبي” على “الانتماء للوطن”.
لقد كانت الأميرة عالية، الناجية الأخيرة من تلك الأسرة، تنظر بأسى إلى العراق؛ فنزعاتها من أجل أمن وسلامة الشعب العراقي لم تكن مجرد مشاعر عاطفية، بل كانت تعبيراً عن إحساسٍ عميق بأن تلك الأسرة كانت جزءاً لا يتجزأ من روح العراق، وليست غريبة عنه.
رؤية للمستقبل ومقترحات للنهوض:
إن قراءة الدكتور علي الوردي في كتابه (علم الاجتماع)، المجلد الثالث، ص (۲۰٤)، تلخص جوهر الأزمة، حيث يؤكد: «لن تقوم للأمة قائمة ما لم يصبح القانون رمزاً مقدساً، وما لم يسبق الانتماء للوطن أي انتماءٍ مذهبي أو عشائري».
بناءً على هذا الواقع، فإن رؤيتنا لمستقبل العراق تكمن في:
1. سيادة القانون:لا يمكن لأي دولة أن تنهض دون قضاء مستقل ونظامٍ دستوري يطبق على الجميع دون استثناء.
2. استعادة هيبة الدولة: إن دعم جهود الحكومة الحالية (حكومة الزيدي) في محاربة الفساد ليس مجرد إجراء إداري، بل هو استحقاقٌ وطني لاستعادة ثقة المواطن بالدولة.
3. ثورة الوعي: يحتاج العراق إلى “ثورة أخلاقية وثقافية” تتجاوز رواسب (۱٤) تموز، حيث يعاد الاعتبار للمواطنة بوصفها المعيار الأوحد للحقوق والواجبات.
إن العراق الذي نحلم به هو عراقٌ لا تُراق فيه الدماء من أجل الكراسي، بل يُبنى فيه الوطن من أجل الأجيال. إن تجربة العهد الملكي، برغم ما شابها من ملاحظات، تظل درساً في بناء المؤسسات، بينما تظل السنوات التي تلتها درساً في تكاليف غياب القانون. حان الوقت لأن يستعيد العراقيون إيمانهم بدولتهم، وأن يضعوا “الوطن” فوق كل اعتبار، ليعود العراق واحةً للسلام والازدهار كما كان في فجره الأول.
المراجع والهوامش:
1. د. علي الوردي:دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ج 1، دار التوزيع والنشر، بغداد، 1976، ص 45-58.
2. د. علي الوردي:سيكولوجية الفرد العراقي، ج 2، دار البحوث، 1992، ص 112.
3. د. علي الوردي:علم الاجتماع، ج 3، مطبعة المعارف، 1980، ص 204.
4. مذكرات تاريخية:شهادات موثقة حول الأسرة الهاشمية ودورها في تأسيس العراق الحديث ومواقف الأميرة عالية الإنسانية
*رئیس معهد الاصلاح الجنائي كوردستان