نبيل خالد مخلف – باحث سياسي
تاريخياً، ومنذ نحو 3000 سنة قبل الميلاد، أدركت ممالك بلاد الرافدين، ولا سيما سومر وأكد، ثم بابل وآشور في العصور اللاحقة، أهمية إقامة العلاقات مع شعوب الفراعنة، والكوشيين، وبلاد بونت، والليبيين القدماء، والأحباش، وشعوب أكسوم، وشعوب البليميين، انطلاقاً من ضرورة التعاون بين الشعوب، وتبادل السلع النفيسة والمواد الأولية، وتعزيز المصالح السياسية والاقتصادية، والحقيقة أن تلك الفترة شهدت ازدهاراً كبيراً في العلاقات بين بلاد الرافدين وشعوب أفريقيا، حتى غدت نموذجاً مبكراً للممارسات الدبلوماسية في التاريخ، على الرغم من أنها سبقت ظهور الدبلوماسية بمفهومها الحديث، ويدل على ذلك أن العمل الدبلوماسي آنذاك كان يعتمد على تبادل الرسائل المكتوبة، التي كانت تُدوَّن في حضارة بلاد الرافدين على الألواح الطينية، بينما استُخدم ورق البردي في بعض الممالك الأفريقية، فضلاً عن استقبال الوفود، وتبادل الهدايا، وإبرام معاهدات الصداقة، وتنظيم المبادلات التجارية وتأمين طرق القوافل، بل وامتد إلى التعاون في بعض الجوانب الصحية والإنسانية، ومن أبرز الشواهد على ذلك ما ورد في رسائل العمارنة، عندما مرض الفرعون أمنحوتب الثالث (أمنوفيس)، فأرسل إليه الملك الميتاني تشراتا تمثال الإلهة عشتار من نينوى، برفقة فريق من الأطباء وأحد كبار العرّافين، تعبيراً عن متانة العلاقات وتمنياً لشفائه، وهذا الأمر يعكس المستوى المتقدم من التواصل السياسي والإنساني بين ممالك الشرق الأدنى القديم.
منذ آلاف السنين، وممالك العراق القديم يدركون الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية التي تمثلها القارة الأفريقية وشعوبها، فسعت إلى إقامة قنوات للتواصل والتبادل التجاري والسياسي معها، وأسهمت في بناء علاقات اتسمت بالتعاون والمصالح المشتركة، غير أن المشهد المعاصر يكشف عن تراجع واضح في مستوى الحضور العراقي في أفريقيا، وكأن القارة فقدت أهميتها في أولويات السياسة الخارجية، على الرغم من أنها تُعد اليوم من أكثر الأقاليم حيويةً من حيث الموارد الطبيعية، والأسواق الواعدة، والفرص الاستثمارية، والتأثير المتزايد في القضايا الإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن إعادة بناء العلاقات العراقية مع الدول الأفريقية لا تمثل استعادةً لإرث تاريخي، بل ضرورةً استراتيجيةً تفرضها التحولات الراهنة في النظام الدولي ومصالح العراق الوطنية.