عامر القيسي
لم أمدح سلطاناً أو ملكاً او رئيساً أو سيداً من “سادة” القوم ، بل كنت على تعارض معهم دائما لأني افهم ان المثقف الحقيقي موقعه في مواجهة السلطة وليس تحت جناحيها وجراء هذه القناعة تغرّبت وهاجرت وتهجرت وهددت وتهمشت وفصلت من عملي وطاردني العسس في الزمن الصدامي ، لكني باق في مواجهة أي سلطة حتى على عدالتها النسبية !
في التجربة الكردية كنت محتاراً في الموقف بين قناعاتي وفلسفتي في الحياة وبين المنجز الكردي الذي اشاهده أمامي والذي تحقق في ظروف قاسية وقياسية وتحديات عميقة ومنعطفات تأريخية ودفع اثمان باهظة من دم ودموع وكوارث كانت كافية لموت شعب وغلق ابواب حلمه ومشروعه المستقبلي ..
الكرد اجابوا على هذه التحديات بالصبر والحكمة وتقبل اقدار التضحيات وجسامتها بعنفوان المؤمن بالمستقبل وحقيقة ان الشعوب تنتصر في النهاية..
لا اثق كثيرا بالأرقام ولا الشعارات ولا الخطابات ولا الترويجات الرخيصة ، اهتم دائما بالواقع والوقائع والمشهد الذي على الارض الذي يتحدى الكلام الذي لامعنى له ..
كاكه مسرور… لم التق به ولم اسمع خطابا من خطاباته ولا قرأت شعاراً رفعه ولا قلت عنه حقاً أو باطلاً ولم اسع لرؤيته ، لأني كنت مشغولاً بالرجل الذي بنى اربيل او ” هولير ” عاصمة لاقليم كوردستان وترك بصمات تحويلها الى مدينة تضاهي دبي وفتح امامها ابواب المستقبل مشرعة ، لترى في كل كيلومتر حاضرة وبناءً وبصمة للحاضر والمستقبل ..
وكان هذا الرجل :
كاكه مسرور ..
لوحة الواقع في اربيل عرّفتني به وأشارت الى ان هذا الرجل بنى على من سبقوه واضاف بصمته خلال سبع سنوات لم تكن كافية بعمر الزمن لانجاز كل هذا الذي جرى في اربيل ، الا ان عقليته اختزلت تلك السنوات وكثفتها واعادت صياغة زمنها فصارت عاصمة للمقارنة بين العواصم المتحضرة والراقية ..
كتبت قبل سنوات عموداً تحت عنوان ” أنا كردي أكثر من الكرد ” فلامني بعض الاصدقاء من ضيّقي الافق ، على سعة ثقافتهم، من ان عمودي فيه نفس عنصري، ولم يتحسسون الرؤيا الانسانية في العمود والتي كانت تخص الكردي كانسان وليس كقومية!
سقت هذا المثال لاقول ان أي اعمار حقيقي يجب ان يترافق مع عملية بناء انسان يحميه ويدافع عنه ويبني رؤيته في الحياة على تطويره الى ابعد المديات ، ولا اشك لحظة ان كاكه مسرور مقتنع بهذه الحقيقة ويسعى اليها لكنّها مهمة شاقة ومعقدة اكثر من أي بنيان واعمار .
ظن أهل الصين أن السور بارتفاعه الشاهق ومتانته سيجعل اختراق البلاد أمراً مستحيلاً ورغم ذلك تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات خلال المئة عام الأولى التي تلت بناء السور العظيم .ولم تكن جحافل الأعداء بحاجة إلى تسلق السور أو هدمه كانوا ببساطة يشترون الحارس فيفتح لهم الباب ويدخلون بسلام.
الخطأ الأساسي في هذه التجربة التاريخية تمثل في أن الصينيين انشغلوا ببناء السور ونسوا بناء الحارس ، لتثبت الحادثة التأريخية ان الاعمار يجب ان يترافق مع بناء الإنسان وتنمية وعيه ليكون الحارس الامين للمنجز.
التجربة الكردية في العراق مميزة ونادرة ومرشحة بقوة للمزيد من الصعود على ايدي قادة من طراز كاكه مسرور بارزاني وشعب يستجيب لمقتضيات التطور، حتى تصبح المقارنة بالتجربة وليس معها حتى لايزعل اصدقائي حين اكرر ” انا كردي أكثر من الكرد ” !