أموال المتقدمين لقرعة الحج… هل حان وقت كشف الحقيقة؟

عرفان الداوودي

أثار إعلان الهيئة العليا للحج والعمرة إعادة مبلغ (50,000) دينار إلى المتقدمين الذين لم يحالفهم الحظ في قرعة الحج لهذا العام، تساؤلات قانونية ومالية مشروعة لا يمكن تجاوزها.

فإذا كان هذا المبلغ يُعاد اليوم إلى أصحابه، فإن السؤال البديهي هو: ما الأساس القانوني الذي كان يبرر عدم إعادته خلال السنوات السابقة؟ وما الذي تغيّر حتى أصبح من الممكن إعادة هذه الأموال الآن؟

وبحسب الأرقام المتداولة، بلغ عدد المتقدمين لقرعة الحج نحو ثلاثة ملايين مواطن، في حين لم تتجاوز حصة العراق نحو (39) ألف حاج، ما يعني أن أكثر من (2.9) مليون مواطن لم يفوزوا بالقرعة. وإذا كان كل متقدم قد دفع مبلغ (50,000) دينار، فإن مجموع الأموال التي تعود إلى غير الفائزين يصل إلى أكثر من (148) مليار دينار.

وهنا تبرز جملة من الأسئلة التي تستوجب إجابات واضحة من الهيئة والجهات الرقابية:

* ما التكييف القانوني لمبلغ الخمسين ألف دينار؟ هل هو رسم قانوني مقابل خدمة فعلية، أم تأمين مسترد، أم إيراد آخر؟
* إذا كان المبلغ قابلًا للإعادة اليوم، فلماذا لم يُعد في السنوات السابقة؟
* أين كانت تُودع هذه الأموال؟ وهل دخلت في حسابات الهيئة أم في خزينة الدولة؟
* هل خضعت هذه الأموال لرقابة ديوان الرقابة المالية والجهات المختصة؟ وهل توجد حسابات ختامية وتقارير منشورة تبين كيفية إدارتها؟

إن المادة (27) من الدستور العراقي تؤكد أن للأموال العامة حرمة، وأن حمايتها والمحافظة عليها واجب على كل مواطن، كما أن الإدارة المالية لأي مؤسسة عامة يجب أن تستند إلى نصوص قانونية واضحة، وأن تخضع لمبادئ الشفافية والمساءلة.

كما أن أي مبالغ تُستوفى من المواطنين يجب أن يكون لها سند قانوني يحدد سبب استيفائها، وآلية التصرف بها، ومصيرها عند انتفاء سبب الاستيفاء. فإذا لم يكن هناك نص قانوني يجيز الاحتفاظ بهذه الأموال، فإن من حق المواطنين المطالبة بتوضيح الأساس القانوني الذي استندت إليه الهيئة خلال السنوات الماضية.

إن إعادة مبلغ الخمسين ألف دينار اليوم تُعد خطوة إيجابية، لكنها تفتح في الوقت نفسه بابًا مشروعًا للتساؤل: لماذا لم تُتخذ هذه الخطوة منذ البداية؟ وهل جاءت هذه المعالجة استجابةً للمطالبات الإعلامية والشكاوى التي أثارها المواطنون، أم أنها كانت جزءًا من مراجعة قانونية وإدارية داخلية؟

إن هذه الأسئلة لا تمثل اتهامًا لأحد، ولا يجوز الجزم بوجود مخالفة أو استيلاء على المال العام دون نتائج تحقيق أو تقارير رقابية رسمية، لكنها تمثل حقًا دستوريًا للمواطن في معرفة كيفية إدارة الأموال التي تُستوفى منه، وترسيخًا لمبدأ الشفافية الذي يُعد أساسًا لبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

فالمال العام ليس ملكًا لجهة أو مسؤول، بل هو حق تحكمه أحكام القانون، وأفضل طريق لإنهاء الجدل هو أن تعلن الهيئة العليا للحج والعمرة، بكل شفافية، تفاصيل هذه الأموال وأساس استيفائها وكيفية التصرف بها خلال السنوات الماضية .

قد يعجبك ايضا