واشنطن ليست محطة بروتوكولية… بل اختبار لخيارات العراق

محمد علي الحيدري

يصعب النظر إلى زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن بوصفها مجرد محطة دبلوماسية اعتيادية. فالزيارة تأتي في لحظة تعيش فيها المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ سنوات، حيث تتداخل الحرب الأميركية – الإيرانية مع أزمة أمن الطاقة، وتهديدات الملاحة في مضيق هرمز، وإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. وفي مثل هذا التوقيت، لا تصبح الزيارات الخارجية مجرد لقاءات بين مسؤولين، بل تتحول إلى رسائل سياسية تتجاوز ما يُعلن في البيانات الرسمية.

العراق يقف اليوم في قلب هذه المعادلة. فهو حليف للولايات المتحدة بموجب اتفاقية الإطار الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه يمتلك علاقات عميقة مع إيران، ويرتبط اقتصادياً وجغرافياً وسياسياً بمحيطه الإقليمي. وهذه الخصوصية جعلت بغداد طوال السنوات الماضية تحاول السير على خيط رفيع بين القوى المتنافسة، وهو خيط ازداد هشاشة مع التصعيد العسكري الأخير.

من هنا، فإن أهمية الزيارة لا تكمن في عدد الاتفاقيات التي قد تُوقع، ولا في حجم الاستثمارات التي قد تُعلن، بل في قدرتها على تثبيت رؤية عراقية مستقلة للعلاقة مع واشنطن. فالعراق لا يحتاج إلى استبدال شريك بآخر، ولا إلى الانخراط في سياسة المحاور، بقدر ما يحتاج إلى توسيع هامش حركته وتحويل علاقاته الخارجية إلى أدوات لدعم التنمية والاستقرار.

ولا شك أن الملف الاقتصادي سيكون الأكثر حضوراً في المحادثات. فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك ثقلاً مالياً واستثمارياً وتكنولوجياً يمكن أن يسهم في تطوير قطاع الطاقة، وتعزيز البنى التحتية، وتنويع الاقتصاد العراقي الذي ظل لعقود أسيراً للنفط. لكن نجاح هذا المسار لن يتحقق بمجرد توقيع مذكرات تفاهم، وإنما بقدرة الحكومة على توفير بيئة قانونية وإدارية وأمنية تجعل المستثمر الأجنبي يرى العراق فرصة لا مغامرة.

وفي المقابل، تدرك واشنطن أن العراق لم يعد ينظر إليه باعتباره ملفاً أمنياً فقط، كما كان الحال بعد عام 2003. فبغداد تسعى إلى إعادة تعريف علاقتها بالولايات المتحدة على أساس الاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم والاستثمار، وهي مقاربة أكثر استدامة وأقل كلفة للطرفين من الاقتصار على التعاون العسكري.

أما التحدي الأكبر، فهو أن المنطقة تعيش حالة استقطاب حاد تدفع كثيراً من الدول إلى الاصطفاف القسري. والعراق، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية، سيكون أكثر المتضررين إذا فشل في المحافظة على سياسة التوازن. ولذلك فإن أي نجاح للزيارة ينبغي أن يُقاس بمدى قدرتها على حماية هذا التوازن، لا بمدى اقتراب بغداد من هذا المحور أو ذاك.

ثمة بعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الرسالة التي يحملها العراق إلى المجتمع الدولي. فبلد أنهكته الحروب والعقوبات والإرهاب يسعى اليوم إلى أن يُعرف بوصفه دولة تبحث عن الاستثمار لا الصراع، وعن الشراكات الاقتصادية لا ساحات المواجهة. وهذه الصورة الجديدة، إن أُحسن بناؤها، قد تكون أهم من أي اتفاقية تُوقع خلال الزيارة.

ومع ذلك، ينبغي عدم تحميل الزيارة أكثر مما تحتمل. فالعلاقات الدولية لا تُبنى في اجتماع واحد، كما أن الملفات المعقدة لا تُحسم في زيارة واحدة. لكن الزيارات الكبرى تكتسب قيمتها من الاتجاه الذي ترسمه، ومن الإشارات التي تبعثها إلى الداخل والخارج معاً.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي بعد انتهاء الزيارة لن يكون: ماذا قال ترامب؟ ولا كم اتفاقية وُقعت؟ بل: هل نجح العراق في تثبيت نفسه لاعباً يمتلك قراره، ويستثمر علاقاته مع القوى الكبرى لخدمة مصالحه الوطنية، أم بقي أسيراً لتجاذبات الآخرين؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت زيارة واشنطن ستدخل سجل الأحداث البروتوكولية، أم ستُذكر بوصفها بداية مرحلة جديدة في السياسة الخارجية العراقية.

قد يعجبك ايضا