بين تاريخين

سمير ميراني

يمر الإنسان بتجربة قاسية يخرج منها منهكاً، يحمل جروحاً و ندوباً، يتعلم من تلك التجربة دروساً يظن أنها ستكون كافية لئلا تتكرر ، ثم تمر السنوات وتأتي تجربة تشبهها، فيكتشف أنه نسي الدرس الأول، أو أنه لم يفهمه حقاً، هذا حالنا اليوم.
نحن شعب مرّ بتجارب كثيرة، أقام الجمهوريات وحلم بدول، ورأى تلك الجمهوريات تتهاوى واحدى تلو الأخرى – مملكة كوردستان في السليمانية، كوردستان الحمراء في أذربيجان ، جمهورية أرارات ( ئاگرى )في تركيا ومهاباد في إيران- كلها كانت هناك، ثم لم تعد، وكلها سقطت بطريقة تشبه الأخرى: عدو خارجي يضرب، وانقسام داخلي يكمل.
نحن نعرف هذا، نعرفه جيداً لأننا كنا هناك، ولأننا نقرأ التاريخ ونحضر دروسه، وندفع ثمنها، لكن هل نتعلم منه ؟ ولهذا يمضي الماضي معنا إلى كل مرحلة جديدة.
بعد عقود من الأمان، ها نحن نستشعر النيات القديمة تعود، الحصار يعود، التحريض يعود، محاولات إثارة النعرات الدينية والقومية تعود، العدو لم يغير طريقته، لأنه نجح فيها من قبل، وهو ينتظر أن نبقى على طريقتنا أيضاً.
المفارقة أن الخصم يعرف أن الكيان القوي لا يسقط من الخارج، يعرف أن الطريق الأقصر هو تفكيكه من الداخل، يزرع الخلافات، ينفخ في الصغائر، يجعلنا نتناسى أن عدونا واحد، وهنا تكمن الخطورة.
نحن اليوم على الخريطة مجدداً، بعد أن غادرناها زمناً، الأرض لم تتغير، والشعب لم يتغير، لكن الذي تغير أن لدينا شيئاً نحميه، وكياناً يستحق البقاء، وهذا بالضبط ما يغيظهم.
لم يعد السؤال هل سيعودون إلينا؟ السؤال الأعمق : هل سنعود إلى أنفسنا ؟.
ثمة نقطة فاصلة صغيرة في حجمها، كبيرة في أثرها : تلك اللحظة التي يختار فيها الإنسان بين مصلحته الشخصية، ومصلحة الكيان الذي ينتمي إليه، بين منصبه، وحزبه ، أو منطقته، وبين مستقبل شعب بكامله، بين ربح آني وخسارة لا تعوض.
في الماضي صنعت الخيارات الفردية الهزائم، سقط كل كيان كوردي، حين سقط تماسكه الداخلي أولاً، فوجد العدو الباب مفتوحاً أمامه دون حاجة إلى جيوشه.
نحن اليوم أمام الخيار نفسه، هل نضع مصلحة الشعب والكيان فوق مصالحنا الضيقة؟ هل نعرف متى يكون التنازل عن بعض مكاسبنا الشخصية العاجلة أو الآنية، هو الطريق الوحيد للحفاظ على كل شيء؟.
لأن التاريخ لا يمنح فرصاً ثالثة ورابعة، كل مرة يمر بها الكيان، يكون ثمنها أكبر من التي قبلها، وما خسرناه في مهاباد وئاگری ليس مجرد جمهوريات، إننا خسرنا عقود من العمر والجهد والدم.
نحن لم نغادر أرضنا يوماً، بقينا شعباً، بقينا جبالاً، بقينا حضوراً، لكن البقاء كشعب لا يكفي، البقاء ككيان هو ما يمقتونه، وهو ما يستحق أن نتمسك به، حتى لو كلفنا ذلك من مكاسبنا الصغيرة.
لحظة التماسك الداخلي هي لحظة انكسار المشروع الخارجي، والعكس صحيح، هذه حقيقة رأيناها ودفعنا ثمنها، ولا زلنا ندفع.
كنا هناك، وغادرنا الخريطة، نحن اليوم على الخريطة، والأرض هي الأرض، والشعب هو الشعب، لكن هل نحن ، نحن أنفسنا ، كما كنا ؟ أم أننا تعلمنا؟.
التاريخ يقرأ اليوم، لكنه سيكتب غداً، ومن سيكون كاتبه؟.

قد يعجبك ايضا