عبد اللطيف محمد أمين موسى
إن القراءة الواقعية في تحليل مشهد الصراع والحيثيات والمستجدات المترتبة من على بنية هذا الصراع، وكما تستوجب الإشارة والأخذ بمحمل الجد عرض الآثار السلبية والكارثية لمنحة الصراع، وارتادتها على ساح الصراع الكامنة في الشرق الأوسط ومن ضمنها سوريا.
أن المشهد الخطير لتكرار التهديدات الرسمية والعلنية من قبل وزراء حكومة نتنياهو لسوريا، ومدى جدية هذه التهديدات، وأخذها في عين الاعتبار، وكذلك النظر في جدية هذه التهديدات، وتكرار توقيت هذه التهديدات. أن الجدية والخطورة في هذه التهديدات تكمن في أن أصحاب هذه التهديدات يُعتبرون الأشخاص الرسمين ذوات المكانة التي تخولهم في كُبرى مواقع صناعة سياسة ورسم القرار في إسرائيل، وتبني سياسات حكوماتها، ولاسيما هذه الحكومة اليمنية التي تُعتبر من أقوى وأشد حكومات إسرائيل في خوض الصراع العسكري على جبهات متعددة خارج حدود إسرائيل. وكذلك إعلاء سقوف تهديداتها العلنية في تحدي الجميع بإحداث تغير في خرائط المنطقة، وتنفيذ مشاريع إسرائيلية المؤجلة.
أن الواقعية السياسية تستوجب التفكير المنطقي في الحديث وعرض تحديثات تأثير وتحول في مشهد الصراع في سوريا على الخصوص، والشرق الأوسط على وجه العموم في ظل ما تشهده المنطقة من مرحلة مفصلية من حيث آلية الصراع.
أن إعادة وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين التهديد في قوله بالتأكيد على أن إسرائيل سترد بالمثل على أي تحرك عسكري تركي في سوريا، بحيث تقابل كل قاعدة تركيا ببناء قاعدة إسرائيلية في سوريا. تكمن السلبية في عدم القدرة على استوعاب أو النظر بعين الجدية من قبل بعض نواة الصلبة المحسوبة على الدائرة المحيطة للسلطة في دمشق عبر قراءة المشهد السياسي والأمني بشكل بعيد عن الواقعية السوري من خلال الإصرار على المكابرة في التقليل من جدية هذه التهديدات ومخاطرها على بنية النظام في سوريا، بحيث يتوجب عليهم السعي في محاولات تخليص أو إبعاد سوريا عن الارتهان للأجندات الإقليمية( تكرار أسطوانة المراهنة الفاشلة على خسارة حكومة نتنياهو في انتخابات إسرائيل المقبلة ).
ومن هذا الرهان الخاسر يجب الانطلاق من خلال الواقعية السياسية، وتجارب الحكم والصراع في المنطقة، وكذلك ما رافق من أحداث دموية وكارثية في سوريا منذ عقود البعث إلى سوريا الجديدة بعد التحرير. إذ لأبد من ذكر الكثير من الأمور التي تخص هذا تكرار في تبني هذا الرهان الفاشل.
الأمر الأول يكمن في أن هذا الرهان من قبل بعض النواة الصلبة المحسوبين على نظام الحكم في سوريا يشكل إعادة رسم المشهد الذي ظل محفوراً في أذهان السوريين طيل سنوات إنكار نظام البعث مشاكله، وعجزه عن إيجاد الحلول الجدية عبر استخدام القمع في قتل شعبها عبر الديكتاتورية، ولتبرير فشله وخوفه وعجز تلك الأنظمة عن مواجهة إسرائيل فقامت مراراً بأيهام شعوبها في الرهان على خسارة نتنياهو في الانتخابات، لذا بقي نتنياهو يحكم إسرائيل كأطول رئيس وزراء إسرائيلي ورحل أغلب هؤلاء الطغاة وظل نتنياهو.
الأمر الثاني يكمن في الشرعية؛ يجب أن يكون الشعب مصدر شرعية داخلية على خلاف ما لمسه الشعب السوري في فشل نظام البعث السابق الذي حاول رهن سورية للشرعية الخارجية، ولاسيما حماية حدود إسرائيل لمدة عقود في سبيل تبيت أركان نظامه، وما لمسه السوريين كان هذا ارتهان خاسر ورغم كل فعله نظام الأسد لكسب الشرعية الخارجية الروسية والاسرائيلية والإيرانية من قتل السوريين وتشريدهم، لكن التصريحات الإسرائيلية التي أكدت بأن إسرائيل قامت بتغير النظام في سوريا تؤكد ما نصبوا إلى ذكره بأن الارتهان إلى الخارج رهان فاشل.
الأمر الأخر هو أن محاولة كسب الشرعية الخارجية والإقليمية على حساب الشرعية الداخلية يعزز سلطة الدولة في تعزيز وتكريس الشمولية والديكتاتورية والاقصاء والإصرار على تجاهل المكونات الأخرى وتعزيز المركزية في إدارة الحكم في سبيل السيطرة الكاملة، وكما أنها تسخر كل الوسائل لتعزيز هذه السيطرة من خلال دعم خارج وقمع داخلي في القتل والاعتقال، الأمر الذي لمسه العالم من خلال جرائم الأسد بحق السوريين.
الأمر الأكثر أهمية هي أن تضحيات السوريين أغلى وأسمى من أن يتم رهنها للمصالح الخارجية، ولابد من السعي في تجنيب سوريا في الدخول بالصراعات والنزاعات إقليمية ومخاطر كثيرة تحيط بسوريا والمنطقة، وكذلك يجب تجنيب سوريا صراع إقليمي تكون نتائجه كارثية على الأراضي والشعب السوري، وعدم إدخال سورية في حروب وكالة في استغلال بسط النفوذ وتحت ذرائع مساعدة سوريا على النهوض.
برأي الرهان الصحيح يكون الرهان على كسب الشرعية الداخلية من خلال مختلف طبقات وفئات ومكونات الشعب السوري، وكما بناء سوريا الحديثة الديمقراطية التعددية تكون بالاعتماد على السوريين عبر الوحدة والتكاتف والمحبة والإصرار على بناء سوريا، وإعادة الأعمار بعيداً الرهان الفاشل في الإعتماد على الخارج، وكذلك تكمن الشرعية في تجاوز الابواق وأصحاب الترندات الفاشلة والمطبلة والمتعايشة على استغلالهم لتلك الرهانات وتسويقها على أنها نجاحات، ولكن الأهم من ذلك كله هون أنه لابد من القول بأنه ولّى الزمن الاستخفاف بعقول الشعب السوري، وتجاهل بنيه التعليمية والثقافية والاجتماعية، لذا الرهان الفاشل ينم عن عدم القراءة الصحيحة للأحداث والوقائع الداخلية والسياسية الخارجية وفي جلب المصائب على سوريا التي لا تحتمل وضعها أصلاً هذه المغامرات متهورة في جعل سوريا ساحة خلفية أو خط دفاعي لتصفية الحسابات الإقليمية.
لذا الحكمة تكمن في مراعاة، ومحاولة امتصاص الضغوط الخارجية والإقليمية، والعمل على استثمارها في خدمة بناء سوريا، ولم شمل السوريين وإتاحة المناخ المناسب لعودة السوريين إلى بلدهم، ووضع الخطط الواقعية لتشجيع الاستثمار السوريين من خلال مؤتمر حوار وطني شامل يتحاور فيه السوريين ويلتفون حول نظام حكمهم في تقيم الوضع السوري، وتقديم الحلول، وتسخير الكفاءات في خدمة إعادة بناء سوريا، ومنطلقين من وقائع بأن سوريا لكل السوريين، وعدم إقصاء أو تهميش أي سوري.
أن القرار الاستراتيجي السوري يجب أن يرسم في سوريا بما يحفظ سيادتها، والعمل والسعي على تهيئة الأرضية والمناخ المناسب في عودة السوريين، والمساهمة في إعادة بناء سوريا، وكذلك وضع الخطط والاستراتيجيات الواقعية في تشجيع المستثمر، وكما أن القرار السوري يجب أن يكون سورياً بما يحقق السيادة والهوية الوطنية السورية، وليس في جعل سوريا رهينة لهذا المصالح الضيقة الإقليمية.
أن الرهان الحقيقي يجب أن يكون رهان على السوريين، عندها وبالتأكيد ستجد الدولة السورية بأن كل أبنائها الغيارى ومن مختلف الفئات والمكونات يكون ولائهم وانتمائهم إلى سوريا والدفاع عنها وبذل الغالي والنفيس في سبيل إعادة إعمار سوريا.