الباحثة السياسية جيهان علو
في تلال ديرسم عام 1937، لم تكن المشانق أداة لإنهاء حياة أجساد معلّقة، بل كانت جزءاً من منظومة دولة أرادت عبر العنف المنظم أن تشنق المستقبل قبل الحاضر، وأن تدفن الذاكرة قبل أصحابها. غير أن التاريخ، مهما أُغلقت دونه الأبواب وحُفرت حوله جدران الصمت، يعود من ذات الأماكن التي حاولت السُلطات دفنه فيها، ليعيد ترتيب الحقائق ويكشف ما أخفته يد الطغاة.
فالكشف الأخير الذي قدمه الباحث والمؤرخ الكوردي سيدات أولوجانا عن صورة نادرة توثق لحظة إعدام الزعيم الكوردي سيد رضا، وابنه، وخمسة من رفاقه، بعد تسعة وثمانين عاماً من التعتيم، لا يمثل عثوراً على مادة أرشيفية مفقودة، بل يشكل مواجهة بصرية متأخرة مع طبيعة السياسة التي تعاملت الجندرمة مع الهوية القومية الكوردية في ديرسم. فهذه الصور لا تستعيد لحظة إعدام فقط، بل تكشف آلية كاملة قامت على الإقصاء والإخضاع ومحو الرموز التي يمكن أن تتحول إلى ذاكرة جماعية.
لقد سعت الجندرمة التركية آنذاك إلى إحاطة عملية الإعدام بجدار من السرية، ومنع تداول أي أثر بصري يمكن أن يحول الضحايا إلى رموز حية في الوعي الكوردي. كان الهدف يتجاوز إنهاء وجود أفراد محددين إنما محاولة لمنع تشكل رواية بديلة عن رواية الدولة. لكن الصورة، بعد عقود طويلة من الغياب، ظهرت لتكسر احتكار السلطة للتاريخ، ولتفتح من جديد الأسئلة التي ظن أصحاب القرار أنها دُفنت إلى الأبد.
تكتسب هذه الصورة القاسية على الوعي الجمعي الكوردي أهمية استثنائية لأنها لا توثق فقط لحظة تنفيذ الحكم، بل تكشف تفاصيل إنسانية صغيرة أفلتت من رقابة الأرشيف الرسمي، وتحولت من عناصر هامشية إلى أقوى شهادة على طبيعة المأساة. فسقوط الأحذية من أقدام المعدومين لحظة ارتخاء أجسادهم تحت وطأة المشنقة، وظهورهم وهم يرتدون جوارب صوفية مزينة بالنقوش، يخلق مشهداً يحمل تناقضاً صارخاً بين قسوة آلة الدولة العسكرية وبين بساطة الإنسان الكوردي الثائر على الظلم والذي كان يقف أمام الموت بشحاعة وبساطة.
تلك الجوارب التي صنعتها نساء ديرسم في ليالي الشتاء الباردة، بأيادي حملت تعب الحياة اليومية وحنان الأمهات والزوجات، إذ لم تكن مجرد قطعة لباس فش شتاءٍ قاسٍ ؛ بل أصبحت الشاهد الأكثر صدقاً على أن الذين أُعدموا لم يكونوا كما حاولت الوثائق الرسمية تقديمهم، أرقاماً في ملفات أمنية أو أسماء في قوائم اتهام بالهيانة العظمى، بل كانوا أبناء مجتمع حي يحمل لغته وثقافته وذاكرته وروابطه الإنسانية حتى اللحظة الأخيرة.
إذ أراد المصور الرسمي للدولة أن يثبت اكتمال المهمة، وأن يجعل من وجوه المحكومين دليلاً على انتصار السلطة، لكن التاريخ اختار أن ينظر في اتجاه آخر؛ نحو التفاصيل التي لم تكن في حسابات السلطة، نحو تلك الخيوط الصوفية الملونة التي حملت رسالة أكثر قوة من كل البيانات الرسمية، رسالة تقول إن الإنسان يبقى حاضراً حتى عندما تحاول المشنقة اختزاله إلى جثة، وإن الذاكرة يمكن أن تنجو من أكثر محاولات المحو قسوة.
ويعيد هذا الكشف البصري فتح النقاش حول الأساس القانوني والأخلاقي للمحاكمات التي قادت إلى إعدام سيد رضا ورفاقه. فلم تكن المسألة تطبيقاً للعدالة، بل استخداماً لأدوات قانونية استثنائية، وعلى رأسها ما عُرف بـ”محاكم الاستقلال”، لتثبيت قرار سياسي يتعلق بإخضاع ديرسم وإنهاء خصوصيتها القومية والاجتماعية. فقد جرت المحاكمات بسرعة شديدة، وسط غياب الضمانات القانونية الأساسية، ومن دون توفير حق حقيقي في الدفاع أو الاستئناف، لتتحول الأحكام إلى مقدمة معدة مسبقاً لتنفيذ إعظامات سريعة بحق الثوار الكورد.