د. حازم محمود حميد النعيمي
هناك مثل إنجليزي شهير يقول: “لنتحدث عن الفيل الموجود في الغرفة”. ويُقصد به الحقيقة الكبيرة التي يراها الجميع لكنهم يتجنبون الحديث عنها لأنها تزعج الكثيرين. وفي العراق، حان الوقت للحديث عن الفيل الموجود في الغرفة اقتصادياً. فبينما ينشغل النقاش العام بالرواتب والتعيينات والخدمات والأزمات اليومية، تبقى الحقيقة الأكثر خطورة بعيدة عن النقاش الجاد ألا وهي أن الاقتصاد العراقي ما زال هشاً رغم الثروات الطبيعية الهائلة التي يمتلكها البلد ولا توجد رؤية حقيقية لانقاذه وانما مجرد اجتهادات شخصية وقرارات تتخذها الحكومات المتعاقبة حتى وصلنا الى هذا الوضع الذي بدأنا نخشى من عدم امكانية دفع رواتب الموظفين.
لقد كشفت الحرب الأخيرة في المنطقة هذه الحقيقة بوضوح. فبمجرد تعرض حركة التجارة والطاقة والنقل الإقليمي للاضطراب، ظهر ضعف الاقتصاد العراقي واعتماده المفرط على النفط وعلى عوامل خارجية لا يسيطر عليها. وأثبتت الأزمة أن الاستقرار الاقتصادي الذي نعيشه ليس استقراراً قائماً على التنوع والإنتاج، بل استقرار يعتمد إلى حد كبير على استمرار تدفق الإيرادات النفطية وعدم حدوث صدمات خارجية كبيرة. والأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع يهدد على المدى البعيد الاستقرار الاجتماعي والسياسي للدولة. فالدول لا تنهار فقط بسبب الحروب، بل قد تهتز عندما تعجز اقتصاداتها عن توفير فرص العمل والخدمات والدخل الكريم لمواطنيها. ومع استمرار النمو السكاني وازدياد الالتزامات المالية للدولة عاماً بعد آخر، يصبح تأجيل الإصلاح أكثر كلفة من البدء به. ولهذا لم يعد العراق يحتمل المزيد من الحلول المؤقتة أو المعالجات الترقيعية، بل يحتاج إلى مشروع إنقاذ وطني شامل يعيد رسم مستقبل الاقتصاد العراقي خلال العقد المقبل ويؤسس لاقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتحديات. العراق لا يحتمل ثورة تشرين اخرى.
ولا يمكن الحديث عن أي مشروع إنقاذ اقتصادي من دون الإشارة إلى أن بناء اقتصاد قوي يبدأ ببناء دولة قوية. وفي هذا السياق، تمثل الخطوات التي اتخذتها الحكومة الجديدة لتعزيز مبدأ حصر السلاح بيد الدولة وترسيخ سلطة المؤسسات الرسمية بداية مهمة تستحق الإشادة، لأنها تعالج أحد أكثر الملفات التي أثارت قلق المستثمرين والشركاء الدوليين خلال السنوات الماضية. كما أن المبادرات التي أبدتها قوى وفصائل مختلفة لوضع إمكاناتها تحت إدارة الدولة وقيادة القائد العام للقوات المسلحة تمثل تطوراً إيجابياً يصب في مصلحة العراق واستقراره. ويستحق الشكر والتقدير كل من ساهم في هذا الاتجاه. إن نجاح العراق في ترسيخ مبدأ احتكار الدولة للسلاح لا يمثل مكسباً أمنياً فحسب، بل يشكل أيضاً رسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن العراق يتجه نحو دولة مؤسسات مستقرة. وكلما تعززت سلطة الدولة ووحدة القرار الأمني ازدادت فرص الاستثمار والدعم الدولي والشراكات الاقتصادية التي يحتاجها البلد لتحقيق نهضته المنشودة. كما أن فرض هيبة الدولة وسيادة القانون على الجميع دون استثناء يمثلان شرطاً أساسياً لنجاح أي مشروع إصلاحي إذ لا يمكن بناء اقتصاد قوي أو جذب الاستثمارات أو مكافحة الفساد في بيئة لا يشعر فيها المواطن أو المستثمر بأن القانون يطبق على الجميع بالمعايير نفسها.
ومن حسن الحظ أن العراق يمتلك اليوم فرصة للاستفادة من عقلية إدارية وتنفيذية تدرك أهمية الكفاءة والإنتاجية وإدارة الموارد بمنطق النتائج لا بمنطق الشعارات، متمثلة برئيس الوزراء الحالي وعدد من الوزراء الذين امتلكوا خبرات في القطاع الخاص وإدارة المشاريع ولهم تاريخ ناجح في مشاريع ضخمة خدمت البلد. فالعراق بحاجة إلى إدارة تتعامل مع الدولة كما يتعامل المدير الناجح مع مؤسسة كبيرة تعاني من ضعف الأداء فتشخص مواطن الهدر وتعيد توزيع الموارد وترفع الإنتاجية وتحول الإمكانات المعطلة إلى مصادر للنمو والعائد الاقتصادي.
إذا أراد العراق تجنب أزمات قد تكون أكثر خطورة مما نواجهه اليوم فإن الوقت قد حان للانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة القرار ومن الحديث عن الإصلاح إلى تنفيذ الإصلاح. ومن المهم الإقرار بأن هذه الإصلاحات لن تكون سهلة بل ستتطلب قدراً كبيراً من الجرأة والشجاعة السياسية وتحمل الانتقادات الإعلامية والسياسية وربما الشعبية في بعض المراحل. فالكثير من الاختلالات القائمة اليوم خلقت مصالح حزبية وشبكات فساد تعتاش على بقاء الأوضاع كما هي، ولذلك فإن أي مشروع إصلاحي حقيقي سيواجه مقاومة ممن يرون في نجاحه تهديداً مباشراً لمصالحهم ومكاسبهم.
ولتحقيق ذلك، لا بد من إطلاق برنامج وطني شامل للإنقاذ الاقتصادي يقوم على خمسة محاور رئيسية.
أولاً: توفير الاستقرار السياسي والتنفيذي اللازم للإصلاحات الاقتصادية من خلال الاتفاق على برنامج إنقاذ وطني يمتد لثماني سنوات متواصلة، تتولى الحكومة الحالية إطلاق مرحلته الأولى ووضع أسسه المؤسسية على أن تستمر الحكومة القادمة في تنفيذ الرؤية ذاتها. ويتم وضع خطة اقتصادية وطنية تمتد حتى عام 2034 وتحويلها إلى قانون يقره مجلس النواب بحيث تصبح أهدافها ملزمة لجميع الحكومات المقبلة ولا يمكن تغييرها بتغير التحالفات السياسية أو نتائج الانتخابات. ويجب أن تهدف هذه الرؤية إلى خفض الاعتماد على النفط من أكثر من 90 في المئة من الإيرادات العامة حالياً إلى أقل من 70 في المئة خلال ثماني سنوات، وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني بصورة ملموسة، وزيادة دور القطاع الخاص والإيرادات غير النفطية وجذب الاستثمار المحلي والدولي.
ثانياً: إجراء مراجعة شاملة للقيادات الإدارية العليا في الدولة ولا سيما المدراء العامين ورؤساء الهيئات والمؤسسات الحكومية، واعتماد معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز أساساً وحيداً لشغل هذه المناصب. فلا يمكن بناء اقتصاد حديث بمؤسسات تدار بعقلية المحاصصة أو التوازنات السياسية. ويجب منح الفريق التنفيذي المسؤول عن الإصلاح المرونة الكافية لاختيار القيادات القادرة على تنفيذ البرنامج الوطني بعيداً عن الضغوط الحزبية والتدخلات السياسية، مع إخضاع الجميع لمؤشرات أداء واضحة ومراجعات دورية للنتائج المتحققة. كما يتطلب ذلك تطوير الأداء الإداري في مؤسسات الدولة واعتماد أساليب الإدارة الحديثة ومؤشرات قياس. إن العراق لا يعاني من نقص في الكفاءات، بل على العكس يزخر بآلاف الخبرات الإدارية والاقتصادية والعلمية لكن كثيراً من هذه الكفاءات تعرضت خلال السنوات الماضية إلى التهميش أو الغبن بسبب عدم انتمائها إلى أحزاب نافذة أو قوى سياسية مؤثرة. لقد آن الأوان لإنهاء مرحلة توزيع المناصب والانتقال إلى مرحلة صناعة الإنجاز بحيث يصبح معيار البقاء في المنصب هو الأداء والنتائج لا الانتماء السياسي. واعتقد ان من المهم ايضا لهذه الحكومة هو ضرورة منع كبار المسؤولين التنفيذيين، ابتداءً من المدير العام فما فوق، من الترشح للانتخابات طوال مدة البرنامج الإصلاحي لضمان تفرغهم الكامل للعمل الحكومي ومنع استخدام موارد الدولة لأغراض انتخابية أو حزبية.
ثالثاً: إعادة تعريف دور الدولة في التنمية لتكون جهة تنظيم ورقابة وتشريع بدلاً من كونها المشغل الأكبر للاقتصاد، مع نقل إدارة العديد من الأنشطة الخدمية والإنتاجية إلى القطاع الخاص وفق ضوابط صارمة. ويشمل ذلك إطلاق برنامج وطني شامل لإصلاح قطاع التعليم والزراعة والصناعة والتجارة والكهرباء والنقل والخدمات البلدية والقطاع المصرفي والمالي والاصلاح الضريبي والجمركي وتطوير البنى التحتية من خلال إشراك القطاع الخاص في الإدارة والتشغيل والاستثمار وفق ضوابط تضمن حماية المواطنين وتحسين جودة الخدمات وتقليل الهدر المالي والإداري. فقد أثبتت التجربة خلال العقود الماضية أن ضخ الأموال وحده لا يكفي لحل المشكلات المزمنة في هذه القطاعات، وأن نموذج الإدارة الحالي لم يحقق النتائج المطلوبة رغم المبالغ الضخمة التي أنفقتها الدولة. يجب ان تنصب جهود الدولة على إنشاء هيئات تنظيمية مستقلة وقوية تضع القوانين والتعليمات الواضحة لحماية المستثمر وكذلك حماية المستهلك ومراقبة الأسعار والجودة ومنع الاحتكار والاستغلال وضمان المنافسة العادلة.
رابعاً: تمكين هيئة النزاهة والأجهزة الرقابية لشن حرب حقيقية على الفساد بكل أشكاله ومستوياته، من الرشوة البسيطة في الدوائر الحكومية إلى شبكات الفساد الكبرى التي تستنزف موارد الدولة. فمشكلة العراق ليست في نقص القوانين، بل في ضعف تطبيقها على أصحاب النفوذ والمتنفذين. وتمتلك هيئة النزاهة الكفاءات والخبرات اللازمة لأداء دورها، لكنها تحتاج إلى الاستقلال الكامل وإبعادها عن التأثيرات السياسية وتمكينها من الوصول إلى جميع ملفات الفساد دون استثناء أو خطوط حمراء. كما يجب أن تمتد جهود مكافحة الفساد إلى محاربة المحاباة والوساطات واستغلال النفوذ في التعيينات والعقود والمعاملات الحكومية. ويحتاج العراق إلى إجراءات قانونية وإدارية صارمة تجعل كلفة الفساد أعلى بكثير من أي منفعة محتملة منه، بحيث يدرك كل من يفكر بالتجاوز على المال العام أن العقوبة حتمية وسريعة ورادعة. ولا يمكن لأي مستثمر محلي أو أجنبي أن يغامر بأمواله في بيئة يشعر فيها بأن الواسطة أقوى من القانون وأن النفوذ أقوى من المؤسسات. ولن يكتمل مشروع الإصلاح الاقتصادي ما لم يشعر المواطن بأن مكافحة الفساد تشمل الجميع، من أصغر موظف يتقاضى رشوة إلى أكبر شخصية سياسية أو اقتصادية تستغل نفوذها لتحقيق مكاسب غير مشروعة. ان نظامنا القضائي العادل والمهني مؤهل جدا لان يؤدي دورا هاما واعطاء رسائل طمئنة للمستثمر المحلي والدولي في ان حقوقه مضمونة ويحظى بحماية الدولة ولا يستطيع ان يتجرا اي مسؤول حكومي او شخصية سياسية في ابتزازه.
خامساً: الاستفادة من الطاقات البشرية الكبيرة في المؤسسات الحكومية وخصوصا الأمنية والعسكرية للمشاركة في مشاريع البناء والإعمار والبنية التحتية والتدريب المهني والتنمية المحلية. فالعراق يمتلك اليوم أكثر من مليون ونصف المليون منتسب في مختلف التشكيلات الأمنية والعسكرية واصبحت معظمها معطلة الان وقد كان بناء هذه القوة ضرورة وطنية فرضتها سنوات الحرب على الإرهاب، لكن الاستقرار الأمني الحالي يتيح الاستفادة من عدد كبير من هذه الطاقات في دعم التنمية الوطنية على غرار تجارب دول مثل مصر والصين حيث يقوم الجيش بدور كبير في ادارة المصانع الانتاجية. وهناك ايضا نحو 4 ملايين موظف اخرين في مختلف المؤسسات الحكومية واغلبهم بلا عمل حقيقي او انتاجية فعلية مما ينبغي وضع خطة ناجعة لاستثمارها.
واخيرا لا بد من الاستفادة من تجارب الأمم في أن التحولات الاقتصادية الكبرى لم تحدث في ظل ظروف مثالية بل ولدت غالباً من رحم الأزمات. فألمانيا خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة، وسنغافورة كانت دولة صغيرة بلا موارد طبيعية، ورواندا خرجت من الإبادة الجماعية، وتركيا واجهت أزمات مالية حادة. لكن جميع هذه الدول امتلكت رؤية واضحة وإرادة سياسية قادرة على تنفيذ إصلاحات صعبة، كما امتلكت شعوباً آمنت بأن التضحيات المؤقتة ضرورية لبناء مستقبل أفضل. فالعراق ليس بلداً فقيراً يبحث عن موارد بل دولة غنية تبحث عن إدارة أفضل لمواردها. فالأمم لا تقاس بحجم مواردها الطبيعية فحسب بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى اقتصاد متنوع ومستدام.
وأنا على يقين بأن رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي، بما يمتلكه من خبرة عملية ناجحة في إدارة الأعمال والمشاريع، وبما يحيط به من شخصيات كفوءة ومهنية، قادر على وضع العراق على السكة الصحيحة للنمو والتنمية وإنقاذه من المخاطر الاقتصادية التي تلوح في الأفق. لكن نجاح هذه المهمة يتطلب منحه الفرصة الكاملة للعمل، وإبعاد التدخلات السياسية والضغوط الحزبية عن قراراته وفريقه التنفيذي، لأن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى الاستقرار والدعم والقدرة على اتخاذ القرار بعيداً عن الحسابات الضيقة.