شــــــريف علي
بعد 22 عامًا من استضافة إسطنبول لقمة حلف الناتو عام 2004، إستضافت تركيا من جديد أعمال قمة الناتو في أنقرة ( 7-8 تموز 2026)، الملف الكوردي لم يكن بندًا معلنًا في جدول أعمال القمة ، لكنه حضر ضمنيا عبر ثلاثة مسارات، الاول الدور التركي في غرب كوردستان ،والثاني مستقبل الدعم الغربي لقوات سوريا الديمقراطية ، والثالث توازنات الأمن الإقليمي بعد تراجع الانخراط الأمريكي.
هذا الحضور غير المباشر يمكن استخلاصه من مواقف تركيا داخل القمة، ومن طبيعة النقاشات الأمنية التي ركزت على الشرق الأوسط، إيران، وأمن الممرات الاستراتيجية ، وكلها ملفات يتقاطع فيها الوضع الكوردي مع مصالح الحلف .
عن المسار الأول و الدور التركي في غرب كوردستان.
تركيا، بوصفها الدولة المضيفة، استثمرت القمة لتأكيد رؤيتها الأمنية في المنطقة، خصوصا في الاقليم الكوردي في سوريا حيث تعتبر أن أي دعم غربي لقوى كوردية يشكل تهديدا لأمنها القومي.
القمة ركزت على تعزيز القدرات الدفاعية ورفع الإنفاق العسكري ، وهو ما يمنح تركيا هامشا أكبر لتوسيع عملياتها الأمنية في محيطها الإقليمي .ألى جانب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إمكانية بيع مقاتلات F35 لتركيا تعني عمليًا تعزيز قدرة أنقرة على فرض توازنات جديدة في الشرق الاوسط، وهو ما ينعكس مباشرة على الملف الكوردي.
موقف تركيا داخل القمة كان مرتبطًا بإعادة تأكيد دورها كقوة إقليمية مؤثرة في ملفات الحدود الجنوبية، بما فيها المناطق الكوردية.
أما عن مستقبل الدعم الغربي للقوى الكوردية في المنطقة فإن القمة ورغم أنها لم تذكر الكورد صراحة، إلا أن النقاشات حول مكافحة الإرهاب وأمن الشرق الأوسط ترتبط مباشرة بالقوى الكوردية التي لعبت دورا محوريا في الحرب على داعش .
القمة ركزت على التهديدات المستمرة في الشرق الأوسط، خصوصا إيران، ما يعيد ترتيب أولويات الدعم العسكري الأمريكي والأوروبي في المنطقة ، غير أن إطالة الحرب الامريكية على إيران و التسويق الأمريكي للسلطة الأنتقالية في دمشق ، يفتح الباب أمام القوى الإقليمية – خصوصا تركيا – لإعادة هندسة التمثيل الكوردي في سوريا، وهو ما يتقاطع مع مفهوم الشخصيات الوظيفية التي تعمل كواجهات سياسية تخدم مصالح القوى الإقليمية أكثر من تمثيلها للمجتمع الكوردي .
أما المسار الأخير ذات العلاقة بالتوازنات الإقليمية الجديدة ، فقد حملت القمة رسائل واضحة حول إعادة تشكيل الأمن الإقليمي. فدعم أوكرانيا يعكس تحويل الموارد الغربية نحو أوروبا الشرقية، ما يعني تقليص الاهتمام المباشر بسوريا والعراق. النقاشات حول إيران وحرية الملاحة في مضيق هرمز، فتعكس حضور الشرق الأوسط عبر بوابة الطاقة والأمن البحري، لا عبر الملفات القومية ومنها الملف الكوردي. هذا التحول يترك فراغًا تستفيد القوى الإقليمية وتركيا تحديدا لإعادة ترتيب المشهد الكوردي، سواء عبر الضغط العسكري أو إنتاج نخب ومنظومات سياسية وظيفية.
لكن لماذا غاب الملف الكوردي عن النصوص الرسمية؟
من المحتمل ان غياب الملف الكوردي يعود إلى جملة من العوامل لعل أبرزها
حساسية تركيا تجاه أي ذكر رسمي لكيان كوردي او للقوى الكوردية، خصوصًا في سياق الناتو. ، وتركيز القمة على ملفات كبرى: أوكرانيا، إيران، الإنفاق الدفاعي، الصناعات العسكرية، أخيرا وربما هي الأهم غياب تمثيل كوردي إن كان بصفة رسمية أو غير رسمية داخل مؤسسات الحلف أو ضمن الوفود المشاركة .
فالملف الكوردي لم يُناقش كملف مستقل، لكنه كان حاضرًا في خلفية القرارات المتعلقة بتركيا، سوريا،العراق وإيران .
إن أي تغيير في علاقة الناتو بتركيا، أو في مستوى الدعم الأمريكي لأنقرة، سينعكس مباشرة على مستقبل القوى الكوردية في سوريا والعراق، وعلى طبيعة النخب السياسية التي ستنتج في المرحلة المقبلة.
فالمشهد الكوردي يبدو اليوم، وكأنه يقف على حافة إعادة تشكل تاريخية، ليس بفعل دينامياته الداخلية وحدها، بل نتيجة التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة ،ومخرجات قمة الناتو في أنقرة وما حملته من رسائل حول موقع تركيا في الجناح الجنوبي للحلف. في هذا السياق، يصبح التمثيل الكوردي – داخل تركيا، في غرب كوردستان، وفي إقليم كوردستان العراق – ساحة لإعادة توزيع الأدوار أكثر منه ساحة صراع تقليدي، حيث تتداخل حسابات الأمن القومي التركي مع تراجع الانخراط الأمريكي، وصعود مقاربة أمنية جديدة في الحلف تربط الإرهاب بالأمن الحدودي وبالهندسة السياسية للمجتمعات المحلية.
في تركيا، يبدو أن مسار – السلام – الذي يعاد طرحه بين فترة وأخرى لم يعد مجرد ملف داخلي، بل تحول إلى أداة لإعادة تعريف من هو الكوردي المقبول سياسيا ومن هو الكوردي المرفوض أمنيا. الدولة التركية تسعى إلى إنتاج طبقة سياسية كوردية جديدة، منزوعـة السلاح، تقبل بالعمل ضمن حدود الدولة القومية وسلطة قرارها، دون المطالبة بإعادة تعريفها.
هذا المسار، إذا ما اكتمل، سيخلق تمثيلا كورديا رسميا لكنه محدود، قائم على شخصيات تقدم نفسها كوسطاء بين الدولة والمجتمع، بينما يجري دفع القوى الأكثر تنظيما أو الأكثر جذرية نحو هامش – التهديد الأمني –
في ظل تعزيز قدرات تركيا العسكرية عبر الناتو، يصبح هذا الفرز أكثر قابلية للترسيخ، إذ تمتلك الدولة أدوات ضغط أكبر لإعادة تشكيل الحقل السياسي الكوردي وفق معادلة: الاعتراف مقابل الانضباط.
أما في غرب كوردستان ، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا هو دخول المنطقة في مرحلة -إعادة ضبط – طويلة، تتداخل فيها الضغوط التركية مع تراجع المظلة الأمريكية، ومع محاولات القوى الكوردية الحفاظ على نموذجها السياسي والإداري . مستقبل التمثيل هنا يتوقف على قدرة القوى الكوردية إلى إنتاج صيغة سياسية مرنة، قادرة على التفاوض مع القوى الإقليمية دون خسارة جوهر مشروعها. لكن هذا المستقبل ليس مضمونا، فتركيا التي باتت تقدم نفسها للناتو كقوة ضامنة للجناح الجنوبي، ستسعى إلى فرض خطوط حمراء على أي تمثيل كوردي يتجاوز حدود الإدارة المحلية أو يقترب من نموذج شبه – دولتي .
السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في دفع القوى الكوردية نحو قبول – تسوية أمنية – تبقي على إدارة مدنية لكنها تفرغها من مضمونها السياسي، مقابل وقف العمليات العسكرية التركية. أما السيناريو الأكثر طموحًا فيتطلب دعمًا دوليا مستقرا، وهو ما يبدو بعيدًا في ظل انشغال الحلف بأوكرانيا وإيران.
في جنوب كوردستان ، تبدو الصورة أكثر تعقيدا. فالإقليم يمتلك تمثيلا رسميا معترفا به دوليًا، لكنه يواجه تحديات داخلية وخارجية تجعل مستقبله السياسي مرتبطا مباشرة بالتحولات الإقليمية. تركيا، التي تعد الشريك الاقتصادي والأمني الأكبر للإقليم، ستسعى إلى تعزيز نفوذها عبر دعم نخب سياسية تتوافق مع رؤيتها للأمن الحدودي، خصوصًا في ملف حزب العمال الكوردستاني. هذا يعني أن التمثيل الكوردي في الإقليم قد يتجه نحو مزيد من الارتباط بالتحالفات الإقليمية. في المقابل، يمتلك الإقليم فرصة لإعادة بناء دوره مع توحيد مؤسساته العسكرية والسياسية، وتقديم نفسه كفاعل مستقر في منطقة مضطربة . لكن هذا السيناريو يتطلب إرادة داخلية قوية، وقدرة على إدارة التوازنات بين بغداد وأنقرة وواشنطن دون الوقوع في فخ الاصطفاف الكامل مع طرف واحد ،وهو ما تسعى إليه قيادة الاقليم التي رست هذه المسؤولية على عاتقها لما تجسده من قوة الإرادة وحكمة القيادة والإدارة والدعم الشعبي اللامحدود .
في المحصلة، يبدو أن مستقبل التمثيل الكوردي في المنطقة تعكس لحظة سياسية تتداخل فيها القوة العسكرية التركية مع إعادة تعريف أولويات الناتو، ومع فراغ استراتيجي في الشرق الأوسط . ما سيحدد شكل التمثيل الكوردي في السنوات المقبلة ليس فقط قدرة الكورد على الصمود أو التفاوض، بل قدرتهم على إنتاج مشروع سياسي وسط تحولات أمنية وجيوسياسية متسارعة في الشرق الأوسط . ويتجاوز رد الفعل، ويعيد صياغة علاقتهم بالقوى الإقليمية، وبالمجتمع الدولي، ضمن رؤية جديدة للهوية والسلطة والمستقبل .