نوري جاسم ..
في فجر العاشر من تموز/يوليو 2026، بدأنا رحلة لم تكن كسائر الرحلات، بل كانت سفرًا في أعماق التاريخ، إلى مدينة البهنسا بمحافظة المنيا في صعيد مصر الكنانة ، التي اشتهرت بين الناس بلقب “البقيع الثاني” أو “بقيع مصر”، لما ارتبط بها من إرث إسلامي عريق، وما تحتضنه من مقامات وأضرحة تُنسب إلى عدد من الصحابة والتابعين وآل بيت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فضلًا عن مكانتها في ذاكرة الفتح الإسلامي لمصر. وكلما اقتربنا من البهنسا، شعرنا أننا نقترب من صفحات حية من التاريخ. وما إن دخلناها حتى بدأنا نتنقل بين المقامات والأضرحة، نستمع إلى ما توارثه أهل المنطقة من روايات عن أصحابها، ونستحضر سير رجال ونساء كان لهم حضور في تاريخ الإسلام. ومن بين المقامات التي زرناها ما يُنسب إلى الحسن الصالح وهو من أولاد الإمام زين العابدين عليه السلام، وأولاد عقيل بن أبي طالب، ومحمد ابن أبي ذر الغفاري. وحسن بن يحيى ابن الشيخ الحسن البصري ، وخولة بنت الأزور، وعبد الرحمن بن أبي بكر، والامير زياد بن الحارث بن عبد المطلب، إلى جانب المقام الذي يُنسب إلى سبعين ممن شهد معركة بدر مع الرسول الاكرم رضي الله عنهم.

وتتحدث الروايات المحلية أيضًا عن أن البهنسا تضم عددًا كبيرًا من قبور الصحابة والتابعين ومن أدركوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. ويذكرون ان عددهم ٥٠٠٠ الاف صحابي. وقد ذكر الواقدي في تاريخه ٧٠٠ صحابي منهم باسمه ووصفه، وهو ما أكسبها مكانتها الروحية، وجعلها مقصدًا للزائرين من داخل مصر وخارجها. ولم تكن الرحلة مقتصرة على التاريخ الإسلامي وحده، بل زرنا أيضًا الموضع الذي تتوارث الأجيال أنه من الأماكن التي مرت بها السيدة مريم العذراء عليها السلام مع السيد المسيح عليه السلام أثناء رحلتهما في أرض مصر، حيث تُنسب إلى المكان شجرة استظلّا بظلها، في مشهد يجسد ما تختزنه هذه الأرض من تاريخ ديني وروحي وإنساني متنوع. وكان أكثر ما لامس قلوبنا هو السكينة التي تملأ المكان؛ فكل خطوة بين تلك المعالم كانت تفتح نافذة على الماضي، وتجعل الزائر يعيش لحظات من التأمل والاعتزاز بتاريخ الأمة.ومع انتهاء جولتنا في البهنسا، اتجهنا إلى إحدى قرى مركز بني مزار، حيث كان في استقبالنا الأخ الكريم أبو أحمد واولاده، الذي فتح لنا أبواب داره وقلبه بكرم أهل الصعيد في مصر الأصيل. جلسنا ساعات قليلة نتبادل الأحاديث في التاريخ والدين والثقافة، وكانت جلسة عامرة بالمحبة والإخاء، جسدت أصالة الإنسان المصري ودفء علاقاته الإنسانية.ثم كان ختام الرحلة بأداء صلاة الجمعة في مسجد القرية، حيث اجتمع أهلها في مشهد إيماني مهيب، وامتلأت القلوب بالسكينة والطمأنينة. هناك أدركنا أن قيمة الرحلات لا تكمن في الأماكن التي نزورها فحسب، بل في القلوب الطيبة التي نلتقيها، وفي الذكريات التي تبقى حية في الوجدان. وغادرنا البهنسا ونحن نحمل معنا أكثر من صورٍ تذكارية؛ حملنا حكاية مدينةٍ ما زالت تحفظ عبق التاريخ، ورسالة محبة من أهلها الكرام، وإيمانًا بأن في أرض مصر كنوزًا تاريخية وروحية تستحق أن تُعرَّف للأجيال، وأن تبقى حاضرة في ذاكرة الأمة. ةصلى الله على سيظنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما ..