أ.عبدالكريم مراد
– حين يتضاءل الأمل وتتعقّد المسؤوليَّة… إلى أين تتَّجه معاناة الناس؟
عبدالكريم مراد
ففي اللّحظات التي تضيق فيها فسحة الأمل، لا يكون الخطر في قسوة الواقع وحدها، بل في الإحساس العام بأنّ هذا الواقع قابل للاستمرار دون مساءلةٍ أو معالجة ٍحقيقيّة.
أجل ….!
إذا فقد الإنسان مالاً خسر شيئاً ذا قيمة، وإذا فقد شرفه خسر ما لا يُقدّر بثمن، أمّا إذا فقد الأمل فقد خسر كلَّ شيءٍ، لأنَّ الأمل هو ما يمنح الحياة معناها، ويجعل احتمال الصعاب ممكناً.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة ما تشهده مدن محافظة الحسكة من مظاهرات سلميَّة بمعزل عن التدهور المعيشيّ المتسارع. فخروج الناس إلى الشارع لم يكن اندفاعاً عابراً، بل نتيجة تراكمات طويلة من الضغوط الاقتصاديّة والخدميّة التي أثقلت كاهل المواطن، ودفعت به إلى التعبير عن مطالبه بوسائل سلميّة.
غير أنّ المشهد العام يكشف عن إشكاليَّة أكثر تعقيداً، تتمثّل في غموض حدود المسؤوليَّة وتداخلها، إذ يبدو وكأنّ كلّ جهة معنيّةٍ بالشأن العام تنظر إلى الأخرى بوصفها الطرف الأقدر على المعالجة، أو أنَّه المسؤول عن هذا التردي المعيشيّ، مما يخلق حالةً من التراخي غير المباشر، ويؤدّي في النهاية إلى غياب المعالجة الفعليّة التي ينتظرها المواطن.
وفي ظلّ هذا الواقع، يجد المواطن نفسه في موقعٍ بالغ الحساسيّة، حيث تتزايد الأعباء اليومية من جهة، وتتراجع وضوح الرؤية بشأن الحلول من جهة أخرى. فالمطالب التي يرفعها الناس اليوم لا تتجاوز حدود الأساسيّات: تأمين الخبز، واستقرار أسعار المواد، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الضروريّة.
إنّ أخطر ما في هذا الواقع ليس الفقر وحده، ولا الغلاء فحسب، بل هذا الشعور العام بأن لا أحد يمسك بزمام الأمور فعليًا، وأنّ حياة الناس باتت تفصيلاً ثانويًا في حسابات متشابكة.
إنّ استمرار هذا الوضع لا يهدّد الجانب المعيشي فحسب، بل يطال البنية النفسيّة والاجتماعيّة للمجتمع، حيث يبدأ الشعور العام بفقدان الثقة بالتشكل تدريجياً، وتتراجع قدرة الناس على التحمّل، ويضيق هامش الأمل الذي كان يشكّل عنصر التوازن الأساسيّ في مواجهة الصعوبات.
ولا شكّ أنّ إدارة الأزمات تتطلب وضوحًا في تحمّل المسؤوليات، وتنسيقاً فعلياً بين الجهات المعنية، بعيداً عن تبادل الأدوار أو الاكتفاء بالتبرير. فالمواطن لا ينشغل بتفاصيل التعقيدات بقدر ما ينتظر نتائج ملموسة تُخفّف من معاناته اليوميّة.
فالمواطن اليوم لا يبحث عن رفاه، بل عن الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة: خبزٍ لا يُذلّ في طلبه، ووقودٍ لا يُرهق في تأمينه، وكهرباءٍ لا تتحوّل إلى حلم.
لقد بلغ السيل الزبى، فالضغط المعيشيّ قد بلغ مستويات لا يمكن تجاهلها، ولم يعد بالإمكان تأجيل الحلول أو ترحيل الأزمات، فكلُّ تأخير في المعالجة ينعكس مباشرةً على حياة الناس، ويزيد من الفجوة بين الواقع وتوقعاتهم، فالأمل الذي تمسّك به الناس طويلًا بدأ يتآكل، وإذا ما انهار بالكامل، فلن يكون من السهل ترميم ما يتبقى.
إنّ الحفاظ على فسحة الأمل لدى الناس ليس مسؤوليّة معنويّة فحسب، بل هو استحقاق عمليّ يتطلب قرارات واضحة وإجراءات ملموسة
فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يقف عند حدود التوصيف، بل يحاسب على القدرة على الاستجابة.
ويبقى السؤال مفتوحاً : هل تتحوّل هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق نحو المعالجة، أم تبقى ضمن دائرة الانتظار التي أثقلت كاهل الناس طويلًا.
وهل يدرك أصحاب القرار أنّ ترك الناس بين فكيّ الأزمة والتنصّل ليس حياداً..بل مسؤوليّة مضاعفة؟
وهل تأتي اللحظة التي يُعاد فيها الاعتبار للإنسان قبل أن يفقد حتى حقّه في الأمل؟
فالغد لا يُبنى بالانتظار… بل بالقرار.