الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا
في فضاء العلاقات الدولية المعاصرة، لا تولد الاعترافات الكبرى من مصادفات التاريخ، بل تصنعها حنكة التموضع الجيوسياسي.
إذ إن تقليـد السفير الإيطالي لدى العراق، نيكولو فونتانا، نيابة عن رئيس جمهورية إيطاليا سيرجيو ماتاريلا، للسيد نيجيرفان بارزاني وسام “نجمة إيطاليا من رتبة فارس الصليب الأكبر”، لم يكن مجرد منح لأرفع أوسمتها الرسمية للشخصيات الحية فحسب، بل كان مصادقة على وثيقة اعتراف أوروبية بنضوج ونجاح المدرسة الدبلوماسية الكوردية.
إن تفكيك القيمة الفلسفية والتاريخية لهذا الوسام يفرضه السياق التطوري لنشأته، فقد ولد عام 1947 كرمز للتضامن وإعادة الإعمار في مناخات ما بعد الحرب العالمية الثانية، ثم أُعيدت هيكلته قانونياً عام 2011 ليصبح الأداة الأرقى لتعزيز الهيبة الوطنية الإيطالية وبناء الشراكات الدولية العميقة.
ومن هنا، فإن عبور هذا التكريم من خلال آليات مؤسسية بالغة التعقيد والصرامة، تبدأ بترشيح وزير الخارجية وتمر بفلترة مجلس تكريم خماسي رفيع المستوى لتبلغ ذروتها بمرسوم رئاسي، يبرهن أكاديمياً على أن العقل السياسي الأوروبي بات يرى في قيادة إقليم كوردستان شريكاً إستراتيجياً فوق العادة، يمتلك الأهلية الكاملة لترجمة المصالح المشتركة إلى واقع جيوسياسي مستدام.
ويترتب على هذا التكريم الرفيع أهمية بالغة للأمة الكوردية على الصعيد الدولي، إذ يساهم في نقل القضية الكوردية من إطار التعاطف الإنساني الإقليمي، إلى فضاء الاعتراف السياسي والإستراتيجي ككيان دستوري فاعل وموثوق في الساحة الدولية.
وهو يعكس في جوهره عمق ومتانة العلاقات التاريخية التي تجمع روما بأربيل؛ وهي علاقات تمتد لسنوات من التنسيق العسكري والسياسي والثقافي، وتتجلى بوضوح في الدور الإيطالي المحوري ضمن التحالف الدولي، حيث ساهمت روما بفعالية في تدريب قوات البيشمرگة ودعمها في الحرب ضد الإرهاب، فضلاً عن الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى لرؤساء الوزراء ووزراء الدفاع الإيطاليين لتأكيد الشراكة المستدامة، ناهيك عن التعاون الثقافي والأثري الراسخ عبر البعثات التنقيبية الإيطالية التي تساهم في إحياء وحفظ الإرث التاريخي لكوردستان.
ويأتي هذا الحدث الكبير امتداداً وتتويجاً لسلسلة من المحطات الموازية التي أثبتت فيها أربيل حضورها الدولي، وهو ما نراه بوضوح في الحفاوة الكبيرة والاستقبالات التي تحظى بها القيادة الكوردية في قصر الإليزيه بباريس من قبل الرؤساء الفرنسيين المتعاقبين، واللقاءات الإستراتيجية الدورية في واشنطن مع القيادات الأمريكية العليا، فضلاً عن الحضور الدائم والمؤثر للإقليم في مؤتمر ميونخ للأمن كلاعب أساسي في ترسيخ الأمن الإقليمي، بالإضافة إلى فتح كبرى العواصم العالمية لقنصلياتها وبعثاتها الدبلوماسية في أربيل، مما يعكس اعترافاً أممياً متزايداً بالثقل الجيوسياسي للإقليم. كل هذه المؤشرات تؤكد أن العواصم الكبرى لم تعد تنظر إلى كوردستان كمنطقة أزمات، بل كفاعل أساسي لا يمكن الاستغناء عنه في رسم خارطة الشرق الأوسط المستقر.
وراء هذا التحول يقف السيد نيجيرفان بارزاني كمهندس للدبلوماسية الهادئة والعقلانية، الشخص الذي نجح بمرونته وواقعيته السياسية في بناء جسور الثقة المتينة مع المجتمع الدولي، نائياً بالإقليم عن صراعات المحاور الضيقة. لقد تمكن سيادته من تقديم إقليم كوردستان كواحة للتعايش السلمي والتعددية القومية والدينية، وهو ما يتقاطع جوهرياً مع القيم الإنسانية والثقافية والسياسية التي يحتفي بها وسام نجمة إيطاليا، ليثبت للعالم أجمع أنه عندما تتحدث الدبلوماسية باللغة الكوردية اليوم، فإنها تتحدث لغة الحوار الشامل، السلام المستدام، والشراكة الدولية التي تحترمها وتقدرها كبرى عواصم القرار العالمي.
وفي ختام هذا المشهد المشهود، يتجلى لنا أن القوة الحقيقية للدبلوماسية التي يقودها تكمن في فلسفة “القوة الناعمة”.
لقد نجحت القيادة الكوردستانية في تحويل الإقليم من مجرد جغرافيا سياسية إلى فكرة إنسانية ملهمة، وملاذ آمن تتناغم فيه ترانيم الكنائس مع مآذن المساجد، وتلتقي فيه القوميات والمكونات في لوحة تعايش نادرة عز نظيرها.
إن هذه الرؤية الفلسفية تقوم على تحويل التنوع من موضع ضعف إلى مصدر ثراء، ومن خلالها، بعثت رسالة حضارية للعالم، مفادها أن كوردستان ليست مجرد حليف في خنادق الحرب، بل هي شريك أصيل في صياغة قيم السلام الإنساني، وحارس أمين لروح التعددية والوئام التي يتوق إليها إليها محيطنا الإقليمي المتعب.