أحمد زبير باني
في عالم الدبلوماسية، لا تُختزل الرسائل في البيانات المشتركة أو الاتفاقيات الموقعة، فثمة لغة أخرى لا تقل تأثيرًا، هي لغة الرموز. وتأتي الأوسمة الرسمية في مقدمة هذه اللغة؛ فهي ليست مجرد تعبير عن التقدير، بل إحدى الأدوات التي تعبّر بها الدول عن أولوياتها السياسية، وتحدد من خلالها شركاءها، وتكشف رؤيتها لمستقبل العلاقات الدولية. ومن هذا المنطلق، فإن منح الجمهورية الإيطالية أحد أعلى أوسمتها الرسمية للرئيس نيجيرفان بارزاني يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز البعد البروتوكولي، لتلامس أبعادًا سياسية ودبلوماسية وفلسفية تتصل بموقع إقليم كوردستان في الحسابات الأوروبية، وبطبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة.
في الدولة الحديثة، لم تعد الأوسمة مجرد تقليد احتفالي أو مكافأة شخصية، بل أصبحت جزءًا من أدوات «القوة الرمزية» التي تمنح الاعتراف وتؤسس للثقة. فالوسام الرفيع لا يُمنح عادةً إلا بعد تقدير سياسي ودبلوماسي لمسار الشخص المكرَّم، وللدور الذي أداه في بناء علاقات أو تعزيز مصالح أو ترسيخ قيم ترى الدولة المانحة أنها جديرة بالإشادة. وبهذا المعنى، يتحول الوسام إلى خطاب سياسي صامت، قد يكون أكثر دلالة من كثير من التصريحات الرسمية، لأنه يعكس إرادة دولة ذات سيادة في تحديد من ترى أنه جدير بالثقة وشريكًا يستحق الاستثمار في العلاقة معه.
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة عندما تكون الدولة المانحة هي إيطاليا؛ فهذه الدولة، التي تُعد من المؤسسين للمشروع الأوروبي وفاعلًا رئيسًا في حلف شمال الأطلسي، تنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه فضاءً حيويًا يرتبط مباشرة بأمنها القومي، سواء من زاوية أمن الطاقة، أو الهجرة، أو مكافحة الإرهاب، أو استقرار حوض البحر المتوسط. ومن هذا المنطلق، سعت روما خلال العقدين الماضيين إلى بناء شبكة من الشراكات مع الفاعلين القادرين على الإسهام في الاستقرار الإقليمي، معتمدةً على أدوات الدبلوماسية والحضور الاقتصادي والثقافي أكثر من اعتمادها على القوة الصلبة. وفي هذا السياق، اكتسب إقليم كوردستان أهمية متزايدة بالنسبة إلى صانع القرار الإيطالي، بوصفه شريكًا يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار السياسي والمؤسساتي، ويشكّل نقطة التقاء بين المصالح الأوروبية وتعقيدات الجغرافيا السياسية في العراق والمنطقة.
ولم يأتِ هذا الاهتمام من فراغ، بل تأسس على مسار متراكم من التعاون السياسي والأمني والاقتصادي. فقد أسهمت إيطاليا في جهود التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، وشاركت في برامج تدريب القوات الأمنية، كما توسعت علاقاتها مع إقليم كوردستان في مجالات الطاقة والاستثمار والثقافة والتعليم وحماية التراث. وبمرور الوقت، انتقلت العلاقة من مستوى التعاون الظرفي إلى شراكة أكثر رسوخًا، تقوم على المصالح المتبادلة والثقة السياسية، وهو ما يمنح هذا التكريم دلالة تتجاوز المناسبة نفسها.
ولا ينفصل هذا التطور عن التحولات التي تشهدها السياسة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط. ففي ظل الحرب في أوكرانيا، وأزمات الطاقة، وتحديات الهجرة، والتنافس المتزايد بين القوى الكبرى، باتت أوروبا تنظر إلى الاستقرار بوصفه قيمة إستراتيجية، وإلى الشركاء القادرين على الإسهام في ترسيخه باعتبارهم عناصر أساسية في سياستها الخارجية. ولم تعد العواصم الأوروبية تقصر اهتمامها على الدول المركزية وحدها، بل باتت تمنح مساحة أكبر للفاعلين الذين أثبتوا قدرتهم على إنتاج الاستقرار، وإدارة التوازنات، وتهيئة بيئة مناسبة للتعاون الدولي. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم تكريم رئيس إقليم كوردستان باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل أولويات الشراكة الأوروبية في المنطقة، وليس مجرد تعبير عن متانة العلاقات الثنائية بين روما وأربيل.
ومن منظور فلسفة السياسة، يبرز مفهوم «الاعتراف» باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم هذا النوع من التكريم. فقد رأى الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل أن الاعتراف لا يقتصر على الإقرار بوجود الآخر، بل يمتد إلى الاعتراف بدوره ومكانته وقدرته على الفعل والتأثير. وفي العلاقات الدولية، تتحول الأوسمة الرفيعة إلى أحد أشكال هذا الاعتراف؛ فهي تمنح الشخص المكرَّم رصيدًا رمزيًا، لكنها تعكس في الوقت ذاته رؤية الدولة المانحة إلى الموقع الذي يشغله في معادلات السياسة، وإلى الدور الذي ترى أنه قادر على الاضطلاع به في المستقبل.
ويتعزز هذا الفهم إذا استُحضر مفهوم «القوة الناعمة» الذي قدّمه عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي، والقائم على أن النفوذ لا يُمارس بالقوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها، بل أيضًا عبر الجاذبية والثقة والشرعية والاحترام المتبادل. وفي هذا الإطار، تبدو الأوسمة الوطنية من أكثر أدوات القوة الناعمة رقيًا؛ فهي لا تفرض التزامات قانونية، لكنها تبني مناخًا من الثقة، وتعزز رأس المال السياسي والمعنوي الذي تستند إليه العلاقات بين الدول. ومن هنا، فإن الأوسمة لا تمثل نهاية لمسار من التعاون، بقدر ما تمهد لمرحلة جديدة من الشراكة.
ومع ذلك، فإن مثل هذا التكريم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تتويجًا نهائيًا لمسار سياسي، بقدر ما يمثل مؤشرًا على توقعات متبادلة بشأن المستقبل. فالدول حين تمنح أرفع أوسمتها، فإنها لا تكرّم الماضي وحده، وإنما تستثمر في استمرار العلاقة، وتعبر عن رغبتها في تطويرها بما يخدم مصالح الطرفين في مرحلة تتسم بقدر كبير من التحول وعدم اليقين. وفي هذا المعنى، يصبح الوسام تعبيرًا عن رهان سياسي بقدر ما هو تعبير عن تقدير دبلوماسي.
وفي نهاية المطاف، لا تصنع الأوسمة السياسة، لكنها تكشف اتجاهاتها. فهي لا تغيّر موازين القوى، لكنها تعكس طبيعة التحالفات، وتمنح إشارات مبكرة إلى الكيفية التي تعيد بها الدول رسم أولوياتها وشبكات علاقاتها. ومن هذا المنظور، فإن تكريم الرئيس نيجيرفان بارزاني لا يقتصر على الاحتفاء بشخصية سياسية، بل يسلط الضوء على المكانة التي بات يحتلها إقليم كوردستان في الرؤية الأوروبية تجاه منطقة تشهد إعادة تشكيل مستمرة لتوازناتها. وقد لا يغيّر وسام، بمفرده، خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، لكنه يعبّر عن حقيقة راسخة في العلاقات الدولية، مفادها أن الاعتراف السياسي لا يُمنح اعتباطًا، بل يُبنى على تراكم الثقة، واستقرار الشراكات، والقدرة على تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والسياسة إلى جسر للتعاون لا ساحة للصراع. وفي زمن تتراجع فيه لغة الشعارات أمام حسابات المصالح، تظل الأوسمة إحدى أكثر لغات الدبلوماسية هدوءًا، لكنها كثيرًا ما تكون الأكثر بلاغة.