من وثائق عام 1923 إلى واقع اليوم… هل تغيّرت العوامل؟

ھیام حاجي احمد- باحثة في الشؤون السياسية الكوردية ومتخصصة في التاريخ الحديث والمعاصر

هل يعيد التاريخ نفسه، أم أن الشعوب التي لا تقرأ تاريخها تجد نفسها أمام نتائج تشبه الماضي؟ قد لا تتكرر الأحداث بالأسماء والوجوه ذاتها، لكن التاريخ كثيرًا ما يعيد إنتاج نتائجه عندما تتشابه العوامل التي صنعتها. ولعل القضية الكوردية تقدم نموذجًا واضحًا لهذه الفكرة. فعند العودة إلى الوثائق البريطانية والفرنسية المتعلقة بها في مطلع عشرينيات القرن الماضي، نجد أن صناع القرار البريطاني لم يبنوا موقفهم على عدالة المطالب الكوردية، بل على قراءتهم للواقع السياسي الداخلي. فقد أورد سيامند ز. عثمان في مقالته «نشأة الحركة القومية الكوردية» المنشورة في مجلة دراسات كوردية، العدد (2–3)، باريس، كانون الثاني 1984، نقلًا عن: وثائق وزارة الخارجية البريطانية وكتاب CURZON: The Last Phase 1922–1925 لهارولد نيكلسون، أن اللورد كرزن توصل إلى قناعة بأن الانقسامات بين الزعامات الكوردية، وغياب شخصية تحظى بإجماع جميع الكورد، حالا دون قيام كيان سياسي موحد. كما أفاد الممثل السامي البريطاني في إسطنبول بأنه:”لا يوجد كوردي يستطيع البريطانيون الاعتماد عليه في تنظيم حكومة لكوردستان”، بينما خلصت وزارة الخارجية البريطانية إلى أنه:”لا يوجد كوردي كفء يستطيع أن يمثل بحق كل كوردستان”. كما نقل سيامند ز. عثمان، استنادًا إلى وثائق وزارة الخارجية الفرنسية، أن عددًا من رؤساء العشائر الكوردية رفضوا مشروع شريف باشا لإقامة دولة كوردية، وأعلنوا تمسكهم بالبقاء ضمن الدولة العثمانية. ومن مجموع هذه المعطيات، فضّلت بريطانيا التعامل مع حكومة مركزية في بغداد، لأنها رأت فيها شريكًا أكثر استقرارًا وانسجامًا مع مصالحها.
وتكشف هذه الوثائق أن الدول الكبرى لا تبني سياساتها الخارجية على المبادئ أو العدالة وحدها، بل على حسابات المصالح والوقائع القائمة. فهي تميل إلى التعامل مع طرف يمتلك قرارًا سياسيًا موحدًا، ويستطيع تنفيذ التزاماته، ويؤمن قدرًا من الاستقرار، أكثر من تعاملها مع أطراف متعددة تتنازعها الخلافات وتتشعب فيها مراكز القرار. ومن هذا المنطلق، لم تكن بريطانيا هي التي صنعت الانقسام الكوردي، لكنها قرأت واقعًا قائمًا، واستثمرته في رسم سياستها. وبذلك، لم تكن المشكلة في عدالة القضية الكوردية، وإنما في غياب وحدة سياسية تمنحها قوة تفاوضية تجعلها طرفًا يصعب تجاوزه.
وعند النظر إلى الواقع الراهن، قد يلحظ المتابع أن بعض تلك العوامل ما زال حاضرًا، وإن تغيرت الظروف والأشخاص. فما زالت الخلافات السياسية تؤثر في وحدة القرار الكوردي، ولا تزال آثار الانقسام الإداري والسياسي تنعكس على أداء مؤسسات الإقليم، كما تستمر الاعتبارات الحزبية في التأثير في عدد من القضايا المصيرية. وفي المقابل، برزت مواقف دولية تؤكد تفضيل الدولة المركزية على النظم الفيدرالية أو اللامركزية، ومن بينها تصريحات توم باراك بشأن سوريا، التي انتقد فيها الفيدرالية والكونفدرالية واللامركزية وعدّها نماذج غير ناجحة. كما أكد جيمس جيفري، السفير الأمريكي الأسبق في العراق والمبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا، خلال مشاركته في مؤتمر “الحوار العراقي”، الذي نظمه المجلس الأطلسي في واشنطن بتاريخ 18 أيار 2026، وحدة الموقف السياسي الكوردي تمثل ركيزة أساسية في فاعلية الدعم الدولي، بقوله:” حافظوا على الوحدة داخل النظام السياسي والأحزاب السياسية في كوردستان… لا أستطيع أن أؤكد بما فيه الكفاية مدى أهمية ذلك بالنسبة لحجم الدعم وفاعليته من الولايات المتحدة وتركيا وأصدقائكم الآخرين”. وهذا التصريح يعكس استمرار قناعة لدى بعض صناع القرار الغربيين بأن وحدة الشريك السياسي تمنحه وزنًا أكبر في الحسابات الدولية.
ولا تهدف هذه المقارنة إلى القول إن عام 1923 يتكرر في عام 2026، فلكل مرحلة ظروفها الإقليمية والدولية المختلفة، لكن ما يدعو إلى التأمل هو استمرار بعض العوامل التي أثرت في نظرة الخارج إلى القضية الكوردية. فالدول الكبرى قد تتغير، وتتبدل أدواتها وخطاباتها، إلا أن مصالحها تبقى ثابتة، وهي غالبًا ما تتعامل مع الطرف الأكثر تماسكًا وقدرةً على اتخاذ القرار. ومن هنا، فإن حماية التجربة الفيدرالية في إقليم كوردستان لا تبدأ من الرهان على المتغيرات الدولية، بل من بناء موقف سياسي موحد، وتغليب المصلحة الوطنية على الخلافات الحزبية، وتوحيد الخطاب الكوردي داخل الإقليم وفي بغداد، بحيث يكون ممثلو الكورد في مجلس النواب العراقي صوتًا واحدًا في الدفاع عن الحقوق الدستورية والقضايا المصيرية. فالتاريخ لا يكرر أحداثه، لكنه كثيرًا ما يعيد إنتاج نتائجه عندما تتكرر أسبابه، وهذه هي الرسالة التي ما زالت وثائق عام 1923 تذكرنا بها حتى اليوم.

قد يعجبك ايضا